حركة الحوثيين …حركة مسلحة يمنية

حركة الحوثيين هي حركة أصولية إسلامية في شمال اليمن، وهي أحد الفاعلين الرئيسيين في الحرب الأهلية اليمنية (2014–الآن). نشأت هذه الشبكة من حركة إحيائية بين المسلمين الزيديين، الذين ينتمون إلى طائفة صغيرة من الإسلام الشيعي تتمركز في شمال اليمن، وكانت تعارض النفوذ الأجنبي على الحكومة اليمنية.
أدت حملات القمع ضد هذه الحركة في أوائل القرن الحادي والعشرين إلى حملها السلاح، ومع تلقيها دعماً من إيران خلال الحرب الأهلية، أصبحت قوة عسكرية قوية. وبحلول عام 2020، بدا أن مقاتلي الحوثيين قد تفوقوا في الصراع. وفي عام 2023، انتقلت التداعيات العالمية لصعود حركة الحوثيين إلى الواجهة عندما أطلقت، رداً على حرب إسرائيل وحماس، صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل وأعاقت التجارة العالمية عبر مهاجمة السفن التجارية في البحر الأحمر.
الخلفية والأصول
تطلق حركة الحوثيين على نفسها اسم أنصار الله. أما المصطلح الأكثر شيوعاً “الحوثيون” فيشير إلى مؤسسها، وهو سياسي وناشط زيدي يُدعى حسين بدر الدين الحوثي.
تعود أصول الحركة إلى المجتمع الزيدي، الذي استقر عام 893 ميلادية في شمال اليمن. وقد ازدهرت هذه الجماعة، التي كانت لفترة طويلة أقلية ضمن المذهب الشيعي، في اليمن وأصبحت القوة السياسية المهيمنة في المنطقة، رغم التحديات المتقطعة التي واجهت حكمها. وكان آخر هذه التحديات عام 1962 عندما أُطيح بالإمام، وهو القائد السياسي والديني للزيديين، وأُجبر على المنفى.
وتم تأسيس نظام عسكري باسم الجمهورية العربية اليمنية بدلاً من نظام الإمامة، وخلال بقية ذلك العقد واجه مقاومة شديدة من الملكيين الزيديين الذين أرادوا إعادة حكم الإمام. ورغم التوصل إلى اتفاق لإنهاء الأعمال القتالية، ظل النظام متوجساً من تمكين النخب الزيدية، وهو ما أدى بدوره إلى تهميش المجتمع الزيدي بشكل أوسع.
في ظل حكومة الجمهورية العربية اليمنية، شهد الزيديون تراجع سيطرتهم على قيادتهم ومجتمعهم تدريجياً. وعلى مدى عقود، كان العلماء الدينيون الزيديون يميلون إلى التوافق مع السنة (بدلاً من الشيعة الآخرين) في القضايا اللاهوتية الحديثة.
أما النظام غير الزيدي، الذي سعى إلى علاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية ودول سنية أخرى مجاورة، فقد حاول استغلال هذا الاتجاه عبر الترويج لمذهب خاص بالدولة السعودية يُعرف باسم الوهابية داخل الأوساط الزيدية. إلا أن العديد من تلك الأفكار كانت تُقوض عناصر أساسية من العقيدة الزيدية وتُضعف سلطة النخب الزيدية، مما دفع الزيديين إلى مقاومة هذا التغلغل. وفي أوائل الثمانينيات، أُنشئت مدرسة دينية وهابية قرب صعدة—وهي قلب المجتمع الزيدي.
وقد أثار هذا التطور، وما تبعه خلال ذلك العقد، حساسية الزيديين الذين شعروا بتهديد وجودي لهويتهم ومجتمعهم. وحدث ما يمكن وصفه بـ”صحوة زيدية“ شملت تبنياً واضحاً لرموز وأفكار شيعية، خصوصاً تلك التي تُجلّ علي بن أبي طالب وأبنائه، وهم الأئمة الأوائل في التقاليد الشيعية، بما يميزهم بوضوح عن رفض الوهابيين الصارم لمبدأ التقليد الذي يقوم على الالتزام المطلق بالمرجعيات الدينية.
في تسعينيات القرن الماضي، حصلت هذه الصحوة الزيدية على فرصة سياسية بعد توحيد اليمن وما نتج عنه من تحول ديمقراطي. فقام الزعماء والعلماء الزيديون بتشكيل حزب الحق، وكان هدفه الرئيسي تعزيز مصالح المجتمع الزيدي ومقاومة تسرب الأفكار والممارسات الدينية السعودية إلى البلاد. وقد كان هذا الحزب الصغير ممثلاً في البرلمان بين عامي 1993 و1997، ووقف في مواجهة حزب الإصلاح الأقوى، وهو حزب إسلامي متأثر بالسعودية. وفي عام 1997، منح الرئيس علي عبدالله صالح حزب الحق منصب وزارة الأوقاف (الأوقاف؛ المفرد: وقف) بعد خلاف سياسي مع حزب الإصلاح.
وكان أبرز ممثلي حزب الحق في البرلمان هو الناشط حسين بدر الدين الحوثي. وبعد مغادرته البرلمان عام 1997، بدأ حسين الحوثي في تأسيس شبكة تُعرف باسم الشباب المؤمن، وهي شبكة تهدف إلى استقطاب الشباب الزيدي كبديل للشبكات الشبابية الوهابية المماثلة. وقد وفرت هذه الشبكة التعليم الديني والرعاية الاجتماعية والشعور بالانتماء، وحظيت في البداية بدعم الحكومة اليمنية، إلا أن شعبيتها المتزايدة وانتقاداتها للرئيس صالح أدت إلى قطع التمويل عنها في عام 2000.
التمرد الحوثي
تحولت التوترات المتزايدة بين “الشباب المؤمن” ونظام صالح إلى حركة أوسع. وأثارت دعم صالح للحرب الأمريكية على الإرهاب وغزو العراق عام 2003 غضب أنصار الحركة، الذين اعتبروا أن الحكومة تدعم نفس أشكال التدخل الخارجي التي همشت الزيديين في ستينيات القرن الماضي وهددت تقاليدهم لاحقاً. وفي تلك الفترة، بدأ حسين الحوثي بإلقاء اللوم على القوى الأجنبية في معاناة مجتمعه، واعتمد شعاراً مشابهاً لهتافات إيرانية مثل:
“الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام.”
ومع توسع الحركة، بدأت الحكومة اليمنية حملة قمع في يونيو 2004 وأصدرت مذكرة اعتقال بحق حسين الحوثي. وفي سبتمبر من العام نفسه، وبعد أشهر من المقاومة المسلحة، قُتل الحوثي على يد القوات اليمنية، وانتقلت قيادة الحركة مؤقتاً إلى والده ثم إلى شقيقه عبدالملك الحوثي.
وبسبب الرد العنيف من النظام، استمر التمرد في التوسع وتحدى محاولات التهدئة. كما ازدادت قوة الحركة العسكرية بشكل كبير، حيث حصلت على الأسلحة من السوق السوداء، ومن أفراد في القوات المسلحة انضموا إليها، إضافة إلى مخازن عسكرية تمت السيطرة عليها. (وجاء الدعم الإيراني المنظم لاحقاً بعد سنوات). وقد أدى هذا التمرد في الشمال، إلى جانب اضطرابات الجنوب لاحقاً، إلى إثارة تساؤلات أوسع حول شرعية نظام صالح، ووحدة اليمن، وحتى مدى صلاحية النظام الجمهوري كإطار حكم للبلاد.
بعد احتجاجات الربيع العربي في تونس ومصر عام 2011، طالب اليمنيون بإنهاء نظام صالح. وفي فبراير 2012، سلّم صالح السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي، لكن هادي لم يكن أقل إثارة للانقسام، خاصة مع انحيازه إلى حزب الإصلاح المنافس للحوثيين. أما صالح نفسه، فقد عاد لاحقاً للتحالف مع حركة الحوثيين ضد حكومة هادي.
الحرب الأهلية اليمنية
صنعاء أثناء سيطرة الحوثيين عام 2014
تصاعد الدخان من البوابة الرئيسية للفرقة المدرعة الأولى للجيش بعد هجوم شنه المتمردون الحوثيون في العاصمة اليمنية صنعاء، في 21 سبتمبر 2014.
في يوليو 2014 اندلعت احتجاجات في اليمن بعد أن نفذت حكومة هادي تخفيضات كبيرة في دعم الوقود. وفي سبتمبر، أطلقت قوات الأمن اليمنية النار على المتظاهرين في العاصمة صنعاء، مما أسفر عن مقتل عدد منهم. وقد أدى ذلك إلى تصعيد المواجهات التي انتهت في الشهر نفسه بسيطرة الحوثيين على أجزاء من المدينة. وفي أواخر يناير 2015، وبدعم غير معلن من صالح وأنصاره داخل الجيش، سيطر مقاتلو الحوثي على القصر الرئاسي، وأُجبر الرئيس هادي على الاستقالة.
في فبراير 2015، ظهر هادي في عدن، أكبر مدينة تجارية في اليمن وعاصمة جنوب اليمن قبل الوحدة، وتراجع عن استقالته. وسعى إلى طرد المتمردين من صنعاء، فطلب دعماً عسكرياً خارجياً، وبدأت حملة تقودها السعودية في مارس، بينما فر هادي وحكومته إلى السعودية طلباً للحماية. وكان محمد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي آنذاك، يتوقع أن يستمر الصراع لبضعة أشهر فقط، لكنه طال أمده. وفي ديسمبر، بدأت الأمم المتحدة جهوداً للتوسط من أجل التوصل إلى حل، لكنها لم تنجح في التوصل إلى اتفاق.
اكتملت سيطرة الحوثيين على صنعاء في ديسمبر 2017، عندما طردوا قوات صالح من العاصمة وقتلوه بعد أن أبدى استعداده للتعاون مع التحالف الذي تقوده السعودية. وبعد ذلك عزز الحوثيون سيطرتهم، واندلع نزاع قصير مع أنصار هادي في يناير.
استمر التمرد الحوثي جزئياً بفضل سيطرته على مدينة الحديدة الساحلية، التي كانت مصدر معظم وارداته وإيراداته. وفي يونيو 2018، تقدم التحالف بقيادة السعودية نحو المدينة أملاً في أن يؤدي سقوطها إلى دفع الحوثيين نحو اتفاق سلام لصالح التحالف. لكن نظراً لأهمية الميناء كممر للمساعدات الإنسانية، تدخلت الأمم المتحدة ووسّطت لوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في ديسمبر.
في الوقت نفسه، أصبحت هجمات الحوثيين أكثر تطوراً، ولم يعد خافياً أن فيلق القدس الإيراني كان مسؤولاً عن تزويدهم بالسلاح والتدريب. وقد ظهر التعاون الإيراني الحوثي علناً في سبتمبر 2019 عندما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجوم على منشآت معالجة النفط في بقيق بالسعودية، رغم مؤشرات قوية على تورط إيران. وقد أدت الهجمات على السعودية وعلى السفن في البحر الأحمر إلى أن تصنف الولايات المتحدة الحوثيين منظمة إرهابية في يناير 2021 خلال الأيام الأخيرة من إدارة دونالد ترامب، لكن هذا التصنيف أثار مخاوف بشأن تأثيره على جهود السلام وإيصال المساعدات الإنسانية. وفي فبراير من العام نفسه، ألغى الرئيس الأمريكي جو بايدن هذا التصنيف.
بحلول أوائل 2020، كان الحوثيون قد أصبحوا الطرف الأقوى، بينما أثرت حالة عدم اليقين الاقتصادي الناتجة عن جائحة كوفيد-19 على رغبة السعودية في الاستمرار بالحرب. وتراجعت حدة الصراع تدريجياً مع وقف إطلاق نار رسمي خلال معظم عام 2022، بعد أن استقال هادي ونقل السلطة إلى مجلس رئاسي. ومع سعي السعودية لتسريع خروجها من اليمن، بدأت التواصل المباشر مع الحوثيين في عام 2023، وفي سبتمبر من ذلك العام زار ممثلو الحوثيين السعودية لأول مرة للقاء مسؤولين سعوديين، وسط تقارير عن اقتراب الطرفين من اتفاق، مع بقاء توزيع عائدات النفط في اليمن العقبة الرئيسية.
حرب إسرائيل وحماس:
هجمات الحوثيين على إسرائيل والشحن في البحر الأحمر
بعد هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي شنته حركة حماس في غزة، وردّ إسرائيل عليه بالحرب في القطاع، أعلن الحوثيون بوصفهم معادين لإسرائيل و”أنصار الله“ مسؤوليتهم عن إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل، وبدأوا أيضاً استهداف السفن في مضيق باب المندب بالبحر الأحمر.
وقد أظهرت هذه التطورات أن الحوثيين أصبحوا الفصيل اليمني الأكثر قدرة على التأثير في الشؤون الإقليمية والتحكم في الموارد الاستراتيجية، كما عكست إصرارهم على إنهاء الحرب في اليمن وفق شروط يرونها مناسبة. لكن هذه الهجمات دفعت الولايات المتحدة إلى التدخل، حيث شنت في يناير 2024 عشرات الضربات الجوية ضد الحوثيين بالتعاون مع المملكة المتحدة، وأعادت في الشهر نفسه تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية.
ورغم ذلك، واصل الحوثيون هجماتهم، مما أدى إلى تصعيد جديد مع إسرائيل والولايات المتحدة. وفي يوليو 2024، أصاب طائرة مسيرة حوثية مدينة تل أبيب، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة آخرين بعد أن قطعت مسافة استغرقت 16 ساعة من اليمن دون اكتشافها. وردّت قوات الدفاع الإسرائيلية في اليوم التالي بضربة جوية على الحديدة، الميناء الرئيسي الذي تعتمد عليه قوات الحوثيين وإمدادات اليمن الأساسية. وفي سبتمبر، أطلق الحوثيون عدة صواريخ باتجاه إسرائيل، وتم اعتراضها، فردت إسرائيل بضربات جوية جديدة على الحديدة، كما استهدفت ميناء رأس عيسى شمال الحديدة، الذي يسيطر عليه الحوثيون. وقد أظهرت هذه التصعيدات ارتباطها بصراع المنطقة مع إسرائيل وحلفائها ضمن ما يُعرف بـ”محور المقاومة“ المدعوم من إيران.
وفي مارس 2025، وبعد انهيار وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس وتشديد إسرائيل القيود على دخول المساعدات إلى غزة، هدد الحوثيون باستهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر. وبعد أيام، شنت الولايات المتحدة ضربات جوية وبحرية على مواقع يسيطر عليها الحوثيون، بالتزامن مع محاولات سياسية لاحتواء إيران وحلفائها. كما حذرت الإدارة الأمريكية إيران من استمرار دعم الحوثيين، وبدأت مفاوضات غير مباشرة معها. وفي 6 مايو، وبعد هجوم صاروخي حوثي على مطار بن غوريون وردّ إسرائيلي بضربة على مطار صنعاء، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى وقف إطلاق نار بين الولايات المتحدة والحوثيين بوساطة عمانية.
المصدر: britannica

