الربيع العربي

مقالات
الربيع العربي

الربيع العربي، هو موجة من الاحتجاجات والانتفاضات المطالبة بالديمقراطية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ابتداءً من عامي 2010 و2011، حيث تحدّت بعض الأنظمة السلطوية الراسخة في المنطقة.

بدأت هذه الموجة عندما أطاحت الاحتجاجات في تونس ومصر بالنظامين الحاكمين فيهما خلال فترة قصيرة، ما ألهم محاولات مشابهة في دول عربية أخرى. ومع ذلك، لم تحقق جميع الدول نجاحاً في حركات الاحتجاج، إذ واجه المتظاهرون الذين عبّروا عن مطالبهم السياسية والاقتصادية حملات قمع عنيفة من قبل قوات الأمن في بلدانهم. وللاطلاع على تغطية تفصيلية للربيع العربي في كل دولة، يمكن الرجوع إلى: ثورة الياسمين في تونس، انتفاضة مصر عام 2011، انتفاضة اليمن 2011–2012، الثورة الليبية عام 2011، والحرب الأهلية السورية.

ثورات الربيع العربي

ثورة الياسمين في تونس

شهدت تونس أولى المظاهرات في ديسمبر 2010 في المناطق الوسطى من البلاد، بعد حادثة إحراق الشاب محمد البوعزيزي، البالغ من العمر 26 عاماً ويعمل بائعاً متجولاً، لنفسه احتجاجاً على سوء معاملته من قبل المسؤولين المحليين. وسرعان ما انتشرت حركة الاحتجاج التي أطلقت عليها وسائل الإعلام اسم “ثورة الياسمين” في أنحاء البلاد.

حاولت الحكومة التونسية إنهاء الاضطرابات باستخدام العنف ضد المتظاهرين، إلى جانب تقديم تنازلات سياسية واقتصادية، لكن الاحتجاجات سرعان ما تجاوزت قدرات قوات الأمن، ما أجبر الرئيس زين العابدين بن علي على التنحي والفرار من البلاد في 14 يناير 2011.

وفي أكتوبر 2011، شارك التونسيون في انتخابات حرة لاختيار أعضاء مجلس مكلف بصياغة دستور جديد. وفي ديسمبر 2011، تولى رئيس وزراء ورئيس منتخب ديمقراطياً مهامهما، قبل اعتماد دستور جديد في يناير 2014. وفي أكتوبر–نوفمبر 2019، أصبحت تونس أول دولة من دول الربيع العربي تشهد انتقالاً سلمياً للسلطة من حكومة منتخبة ديمقراطياً إلى أخرى.

ثورة 25 يناير في مصر

استلهم المصريون من سقوط بن علي في تونس، وسرعان ما نظّم الشباب المصري احتجاجات مماثلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتخرج حشود ضخمة في مختلف أنحاء مصر يوم 25 يناير 2011.

حاولت الحكومة المصرية بدورها احتواء الاحتجاجات عبر تقديم تنازلات مع تنفيذ حملات قمع عنيفة ضد المتظاهرين، إلا أنها فشلت في السيطرة على الشارع. وبعد أيام من التظاهرات الحاشدة والمواجهات بين المحتجين وقوات الأمن في القاهرة ومناطق أخرى، أعلنت القوات المسلحة المصرية في نهاية يناير رفضها استخدام القوة ضد المتظاهرين المطالبين برحيل الرئيس حسني مبارك.

ومع فقدانه دعم الجيش، تنحى مبارك عن السلطة في 11 فبراير 2011 بعد قرابة 30 عاماً في الحكم، مسلماً السلطة إلى مجلس عسكري من كبار الضباط. وحظي الجيش بشعبية واسعة خلال المرحلة الانتقالية، رغم أن تركيزه على الاستقرار أكثر من التحول الديمقراطي أضعف التفاؤل في بعض الفترات.

أحداث دول أخرى

بعد النجاحات السريعة للاحتجاجات في تونس ومصر، شهدت اليمن والبحرين وليبيا وسوريا حركات احتجاجية خلال أواخر يناير وفبراير ومارس 2011. إلا أن موجة الغضب الشعبي في هذه الدول تحولت إلى صراعات دامية وطويلة بين قوى المعارضة والأنظمة الحاكمة.

اليمن

في اليمن، بدأت الاحتجاجات أواخر يناير 2011، وتعرضت قاعدة دعم الرئيس علي عبدالله صالح لاهتزاز كبير بعد انضمام عدد من أبرز القيادات القبلية والعسكرية إلى المحتجين المطالبين بتنحيه.

ومع فشل المفاوضات لإخراج صالح من السلطة، اندلعت اشتباكات بين القوات الموالية والمعارضة في صنعاء. وغادر صالح اليمن في يونيو 2011 لتلقي العلاج بعد إصابته في هجوم استهدفه، ما أثار آمال المعارضة ببدء مرحلة انتقالية، لكنه عاد بصورة مفاجئة بعد أربعة أشهر، ما زاد من حالة الغموض بشأن مستقبل البلاد السياسي.

وفي نوفمبر 2011، وقّع صالح اتفاقاً برعاية دولية ينص على نقل تدريجي للسلطة إلى نائبه عبدربه منصور هادي. ووفقاً للاتفاق، تولى هادي إدارة شؤون البلاد فوراً، ثم أصبح رئيساً رسمياً بعد ترشحه منفرداً في انتخابات فبراير 2012.

لكن حكومة هادي لم تتمكن من تحسين الأوضاع أو الحفاظ على الاستقرار، لتدخل البلاد في مواجهات وتمردات مسلحة تطورت عام 2014 إلى حرب أهلية.

البحرين

اندلعت احتجاجات واسعة في البحرين منتصف فبراير 2011 مطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية، وقادها ناشطون حقوقيون وأفراد من الأغلبية الشيعية المهمشة في البلاد.

وقمعت قوات الأمن البحرينية الاحتجاجات بعنف، بدعم من قوات أمنية تابعة لمجلس التعاون الخليجي، ضمت نحو ألف جندي سعودي و500 شرطي من الإمارات العربية المتحدة دخلوا البلاد في مارس 2011.

وبحلول نهاية الشهر، تم إخماد الحركة الاحتجاجية. وفي أعقاب ذلك، حُكم على عشرات من قادة الاحتجاج بالسجن بتهم مناهضة للحكومة، وفُصل مئات العمال الشيعة المشتبه بدعمهم للاحتجاجات، كما هُدمت عشرات المساجد الشيعية.

وفي نوفمبر 2011، خلص تحقيق مستقل كلفت به الحكومة البحرينية إلى أن السلطات استخدمت القوة المفرطة والتعذيب ضد المتظاهرين، ورغم تنفيذ بعض توصيات الإصلاح، واصلت الحكومة تضييقها على المعارضة خلال السنوات اللاحقة.

ليبيا

في ليبيا، تصاعدت الاحتجاجات ضد نظام معمر القذافي منتصف فبراير 2011 بسرعة إلى تمرد مسلح. وعندما بدا أن قوات المعارضة على وشك الهزيمة في مارس، قاد حلف شمال الأطلسي “الناتو” تحالفاً دولياً شن غارات جوية استهدفت قوات القذافي.

ورغم أن التدخل العسكري غيّر ميزان القوى لصالح المعارضة، فإن القذافي تمكن من البقاء في العاصمة طرابلس لعدة أشهر أخرى، قبل أن تتم الإطاحة به في أغسطس 2011 بعد سيطرة قوات المعارضة على المدينة.

وبعد أسابيع من فراره، قُتل القذافي في مدينة سرت خلال أكتوبر 2011. وتولت السلطة حكومة المجلس الوطني الانتقالي المدعومة من المعارضة والمعترف بها دولياً، لكن الصراع على فرض السيطرة على البلاد أدى لاحقاً إلى اندلاع حرب أهلية عام 2014.

سوريا

في سوريا، اندلعت احتجاجات تطالب بتنحي الرئيس بشار الأسد في جنوب البلاد منتصف مارس 2011، قبل أن تمتد إلى مختلف المناطق السورية.

ورد النظام السوري بحملة قمع عنيفة ضد المتظاهرين، ما أثار إدانات واسعة من قادة دوليين ومنظمات حقوقية. وفي أغسطس 2011، تشكل مجلس قيادي للمعارضة السورية في إسطنبول، وبدأت فصائل المعارضة المسلحة شن هجمات على القوات الحكومية.

ورغم تصاعد الاضطرابات، حافظ الأسد على تماسك سلطته بفضل دعم وحدات عسكرية رئيسية تتكون إلى حد كبير من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها.

وفي الوقت ذاته، حالت الانقسامات الدولية دون حدوث تدخل عسكري مشابه لما جرى في ليبيا، حيث استخدمت روسيا والصين حق النقض “الفيتو” ضد قرارات في مجلس الأمن هدفت للضغط على النظام السوري خلال أكتوبر 2011 وفبراير 2012، وأكدتا رفضهما لأي تدخل خارجي أو محاولة لإسقاط الأسد.

كما لم ينجح وصول بعثة مراقبين من جامعة الدول العربية في ديسمبر 2011 في الحد من العنف، الذي تصاعد بفعل الدعم المالي والعسكري المقدم من عدة دول متنافسة، لينتهي الأمر بحرب أهلية مدمرة وأزمة لاجئين طالت ملايين الأشخاص.

دول أخرى

امتدت تأثيرات الربيع العربي إلى دول أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث شهدت العديد من البلدان احتجاجات متفاوتة الحجم مطالبة بالإصلاح الديمقراطي.

وفي الجزائر والأردن والمغرب وسلطنة عمان، قدمت الحكومات سلسلة من التنازلات، شملت إقالة مسؤولين غير شعبيين وإجراء تعديلات دستورية، في محاولة لاحتواء الاحتجاجات ومنع توسعها داخل تلك الدول.

الإرث والتأثيرات اللاحقة

رغم أن حركات الاحتجاج التي شهدها عام 2011 كانت فريدة من نوعها بسبب ترابط نضالها من أجل الديمقراطية في مختلف أنحاء المنطقة، فإن السعي لإنهاء الفساد وتحسين مستوى معيشة المواطنين لم يتوقف بانتهاء الربيع العربي.

استمرت الاحتجاجات لسنوات لاحقة، كما شهد العالم العربي موجة جديدة من التظاهرات خلال أواخر العقد الثاني وبداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.

ففي فبراير 2019، أطاحت الاحتجاجات في الجزائر بحكومة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، بينما أنهى الجيش السوداني في أبريل من العام نفسه حكم الرئيس عمر البشير الذي استمر 30 عاماً، وذلك بعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية.

كما شهد كل من العراق ولبنان، وهما دولتان ديمقراطيتان تعانيان من انقسامات سياسية حادة جعلت الحكومات عاجزة عن معالجة الأزمات الكبرى، مظاهرات واسعة خلال عامي 2019 و2020.

ورغم أن هذه الحركات الاحتجاجية لم تكن مستوحاة مباشرة من بعضها البعض، فإن حجمها الكبير وتشابه مطالبها دفع العديد من المراقبين إلى وصفها بأنها “الربيع العربي الثاني”.

المصدر: حدث نيوز + مواقع الكترونية.