اليمن… حين يصبح السلام مشروعًا خاسرًا لتجّار الحرب!

إعلان
أخبار اليمن
اليمن… حين يصبح السلام مشروعًا خاسرًا لتجّار الحرب!
فيروز

في اليمن، لم تعد الحرب مجرد معركة تُخاض بالسلاح، بل تحولت إلى اقتصاد كامل، وإدارة مصالح، وشبكات نفوذ تتغذى على استمرار الأزمة. هنا، لا يقاس الربح بما يُبنى، بل بما يُهدم، ولا بما يُنتج، بل بما يُجبى ويُهرّب ويُحتكر.

بعد أكثر من عقد من الصراع، لم يعد السؤال: من سينتصر؟ بل أصبح: من يملك مصلحة حقيقية في أن تنتهي الحرب؟

لقد أنهكت الحرب الجميع. استنزفت الموارد، وأضعفت المؤسسات، وعمّقت الفقر، ومزقت النسيج الاجتماعي. لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الإنهاك لم يُنتج حتى الآن إرادة وطنية جامعة، لأن الحرب، بالنسبة لبعض شبكات النفوذ، لم تعد مأساة بل أصبحت مصدرًا للسلطة والثروة.

ففي ظل الانقسام، نشأ اقتصاد موازٍ يقوم على الجبايات، والسوق السوداء، والاحتكارات، وتهريب السلع، وتعدد مراكز القرار. وكلما طال أمد الأزمة، ترسخت مصالح جديدة ترى في السلام تهديدًا لمكاسبها.

ولهذا فإن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس فقط تعدد الجبهات، بل تعدد مراكز القرار، وغياب مشروع وطني يجمع اليمنيين على شكل الدولة ومستقبلها. فلا يمكن بناء اقتصاد موحد بينما المؤسسات منقسمة، ولا استعادة الثقة بينما المواطن يعيش بين سلطات متعددة وقوانين مختلفة.

ولعل أكثر المشاهد قسوة أن المواطن اليمني أصبح يدفع ثمن الانقسام مرات عدة؛ مرة بانهيار العملة، ومرة بتوقف الرواتب، ومرة بارتفاع الأسعار، ومرة بانقطاع الخدمات. وبين كل ذلك، لا يسأل عن اسم المنتصر، بل يبحث عن مدرسة لأطفاله، ومستشفى لمرضاه، وراتب يكفيه، وكهرباء لا تزوره كضيف عابر.

إن الحديث عن السلام لا ينبغي أن يقتصر على وقف إطلاق النار، لأن وقف الرصاص لا يعني بالضرورة عودة الدولة. فالدولة تُبنى بمؤسسات موحدة، وقضاء مستقل، وإدارة مالية شفافة، واقتصاد منتج، وعدالة يشعر بها الجميع.

ومن هنا، فإن أي تسوية سياسية لن تنجح إذا لم تترافق مع إصلاح اقتصادي حقيقي يبدأ بتوحيد البنك المركزي، وإعادة انتظام صرف الرواتب، واستئناف تصدير النفط والغاز ضمن آليات شفافة، وفتح الطرق، وإنهاء الازدواج المالي والإداري، وتهيئة بيئة تسمح بالاستثمار والإنتاج بدلاً من اقتصاد الحرب.

أما إذا بقيت هذه الملفات رهينة الحسابات السياسية، فإن اليمن قد يبقى في حالة “اللاحرب واللاسلم”؛ هدوء هش يخفي تحت سطحه أزمة اقتصادية واجتماعية قابلة للانفجار في أي لحظة.

لقد أثبتت تجارب الدول أن السلام لا ينجح حين يكون اتفاقًا بين النخب فقط، بل حين يشعر المواطن أن حياته تغيرت إلى الأفضل. فالخبز، والدواء، والتعليم، وفرص العمل، وسيادة القانون، هي الامتحان الحقيقي لأي تسوية.

الخاتمة

اليمن اليوم لا يحتاج إلى منتصر جديد، بل إلى دولة تنتصر على الانقسام، وعلى الفساد، وعلى اقتصاد الحرب. فالمعركة الحقيقية لم تعد على الجغرافيا، بل على مستقبل الإنسان اليمني.

وحين يصبح بناء المدرسة أهم من بناء المتراس، وإصلاح الاقتصاد أهم من إدارة الأزمات، واستعادة الدولة أهم من تقاسم النفوذ… عندها فقط يمكن القول إن اليمن بدأ يغادر الحرب، لا على الورق، بل في حياة مواطنيه.

 

المصدر: حدث نيوز – فيروز الولي.