رحلة العذاب من الحقب إلى عدن

راي
رحلة العذاب من الحقب إلى عدن

في صباح يوم قارس، عند الساعة السابعة تمامًا، بدأتُ رحلة لم يكن من الممكن تصورها، رحلة محفورة في ذاكرتي. على متن دراجة نارية متهالكة، تحمل ما تبقى من أملي، انطلقتُ من قريتي الحقب الصغيرة نحو قرية الوادي. بدا الطريق وكأنه صُمم لتعذيب المسافرين؛ أربعون دقيقة من الرعب الخالص، بين الصخور التي تلوح بالانهيار في أي لحظة، والوديان العميقة التي لا ترحم.

الدراجة النارية هي المركبة الوحيدة القادرة على اختراق هذا الجحيم؛ حتى السيارات عجزت عن مجاراة قسوة هذا الدرب.

لم يكن الوادي سوى محطة أولى لألم أكبر. من هناك، واصلتُ السير على الأقدام إلى قرية الجبهة. كانت المنحدرات الجبلية تبتلع الأنفاس، والتلال تجبرني على الصعود والهبوط في دوامة لا نهاية لها، كأنها حلم كابوسي لا مفر منه. ساعة كاملة من التعب الذي يذيب العظام حتى وصلت إلى الجبهة. هناك، استراحة قصيرة، لم تكن كافية لالتقاط الأنفاس، فالطريق ما زال أمامي، طريق لا يرحم.

ركبتُ دراجة نارية أخرى من الجبهة إلى مديرية مريس. كم من القرى مررت بها، وكم من العيون نظرت إليّ بحزن، وكأنها تعلم أنني لست أول الضحايا ولن أكون الأخير. الطريق وعرة كقلوب الذين قطعوها؛ كل حجر فيها يصرخ بألم قديم. ثم ظهر خط التماس، حيث يقف الحوثيون شمالًا والمقاومة جنوبًا. بينهما، نحن، المدنيون، كالغنم المذعور في حظيرة الذبح. ساعة أخرى من الخوف المطبق حتى وصلت إلى قرية الجبارة الواقعة في منتصف مريس. كان الوقت قد تجاوز العاشرة صباحًا.

في الجبارة، جلست كالميت الذي يستعيد الحياة للحظة. ثم ركبت سيارة إلى مديرية قعطبة، ومنها إلى مدينة سناح. في سناح، التهمت بضع لقيمات، لم تسد جوعًا، لكنها أسكتت صوت المعدة الخاوية. ركبت الباص الأخير إلى عدن؛ الباص الذي ينتظر حتى يمتلئ بالبشر المنهكين، كأنه نعش جماعي. تحركنا عند الساعة الثانية ظهرًا، وتوقفنا عند كل نقطة تفتيش، كأن الحرب تريد أن تتأكد من أننا ما زلنا أحياء نعاني. وصلت عدن عند السادسة والنصف مساءً، بل كاد الليل يبتلعني قبل الوصول.

تخيلوا، مسافة لا تتجاوز الثلاث ساعات من قريتي الحقب إلى مدينة عدن في زمن السلام، تحولت إلى رحلة تمتد لأكثر من عشر ساعات من العذاب. عشر ساعات من المشي على الحصى، وركوب الدراجات النارية المتهالكة، واجتياز نقاط التفتيش التي تذكرك دومًا بأنك مجرد رقعة في لعبة الحرب.

ولست وحدي، فكم من امرأة حملت طفلها على ظهرها، وكم من شيخ كسر التعب ظهره، وكم من طفل سار حافيًا على صخور لا ترحم. كلنا ضحايا طريق مغلق بفعل قطاع الطرق، أولئك الذين باعوا ضمائرهم مقابل سلطة لا تساوي دمعة طفل يتيم.

يا قطاع الطرق، اتقوا الله! فكل خطوة نخطوها فوق هذا الدرب، وكل دمعة تسقط من عين أم منهكة، وكل صرخة طفل جائع ستكون وقودًا لنار تلعنكم يومًا في الدنيا قبل الآخرة.

افتحوا طريق صنعاء-عدن..

مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: مختار الحقب