تقاليد عربية: الصراع مع فكرة الدولة

حدث نيوز : ياسين الزكري
كل صباح يخرج “سعيد غانم” ليمتطي ناقته بعكس الاتجاه تحت مبرر انه ليس لديه خطة، بخلاف الناقة التي تدرك اهدافهاجيدا .. تقول حكاية يمنية قديمة.
تمثل الدولة كيانًا يهدف إلى تنظيم حياة الناس ومصالحهم من خلال عدد من القوانين والمؤسسات.
وتقوم الدولة على مساحة من الارض معلومة الحدود يسكنها أناس نطلق عليهم الشعب، وتتمتع بالقدرة على اتخاذ القرارات داخليا وخارجيا بشكل مستقل، وذلك ما يعرف بـ السيادة.
وفي حين يمثل النظام الطريقة التي تدار بها شئون الدولة (جمهوري، ملكي،…)، تتمثل السلطة في اولئك الاشخاص الذين يديرون النظام بالتداول.
ولكون الشعب هو صاحب المصالح التي تنظمها الدولة فهو وحده من يمتلك الحق في تحديد شكل النظام الذي يحكمه، واليات تنظيم السلطة التي تدير تفاعلات ذلك النظام.
وغالبا ما تقوم الدولة لتستمر، في حين يمكن للنظام ان يتغير، اما السلطة فتتغير بشكل منتظم او غير منتظم من خلال الانتخابات او الانقلابات.
وحتى تتمتع الدولة بحالة من الاستقرار طويل الامد يفترض ان تعتمد نظاما يقوم على مبدأ الشراكة الوطنية العابرة للانتماءات الضيقة بين المكونات المختلفة (عرقية، طائفية، ايديولوجية،…) من منطلق القبول بالتعدد والتنوع وضمان تكافؤ الفرص.
غير أن هذا النموذج يتعرض للخطر حين تنخرط المكونات السياسية في صراع يُفرغ فكرة الدولة من مضمونها، ما يؤسس لحالة من الاضطراب وربما التشظي والانقسام.
الانقسام الرأسي والافقي
ينشأ الانقسام الرأسي حين تتنافس المكونات السياسية على أسس مصلحية اوهوياتية ضيقة كالدين او المذهب أو العرق أو الطائفة او الايديولوجية بدلاً من تنافس البرامج والأفكار، ما يتسبب في حدوث تداعيات كارثية اخطرها تمزيق النسيج الاجتماعي.
في هذه المنطقة من العالم لا يحتاج المتأمل الى كثير من الجهد ليتبين حجم ذلك الاصرار العجيب على تتالي نوبات الصراع مع فكرة الدولة من قبل المكونات السياسية ومراكز القوى المختلفة. ولعل ابرز ما يتسبب في حدوث حالة مستعصية من مغص الدماغ لدى المتابع، هو ان يزعم كل مكون بانه يسعى الى اقامة او صيانة الدولة ترافقا مع نشاطه المحموم في اتجاه دك اركان فكرة الدولة ذاتها، ما يذكرك بقول الكاتب الفرنسي بلزاك ” لا يعنيني ما يقول لسانك.. يعنيني ما تفعل يداك”.
اعمدة مائلة
تنبع هشاشة اسس الدولة في المنطقة العربية من خلال عوامل عدة بينها الحالة الهلامية لمفهوم الدولة في وعي النخب السياسية التي تنعكس على محتوى ادبيات الدولة ( الدستور والقوانين واللوائح التنظيمية،…) الى جانب تداخل المفاهيم الاساس( الدولة، النظام، السلطة) وهي ذاتها حالة التيه التي تظل تستنسخ نفسها في مناهج التعليم ومن ورائه مختلف البرامج الحاملة لمفهومي النظام والسلطة.
في كثير من الدساتير العربية يصعب على الباحث معرفة هوية الدولة من منظور النشاط والفعالية ( زراعية، صناعية، عسكرية،…، هذه الضبابية غير المبررة يغيب بسببها الهدف العام للدولة ومعه تغيب الرؤية او الاستراتيجية الكبرى فنحصل على مجرد بلد دون هوية ودون رؤية استراتيجية وبالنتيجة دون حضور حقيقي او آمن على الخريطة.
ارضية متحركة
غياب الرؤيا لا يربك الفعل السياسي فقط بل ينعكس على مسار التعليم الذي لا يقودك الى نتيجة سوى التيه والدوران في حلقة مفرغة.
تحديد الرؤية او الهدف العام يمثل الاساس الذي تبنى عليه استراتيجية التعليم التي تبنى على اساسها بقية الاستراتيجيات بعيدة ومتوسطة وقريبة، لذلك من الطبيعي ان تسير هكذا بلدان دون بوصلة.
تتحدد الاستراتيجية الكبرى من خلال الاجابة على سئوال: مالذي نود ان نكونه بعد نصف او ربع قرن مثلا، وعلى هذا الاساس توضع استراتيجية التعليم ومن ثم بقية الاستراتيجيات سياسية اقتصادية، … ولتسويق كل ذلك توضع استراتيجية اعلامية مهمتها اسناد رؤية الدولة.
بعد ذلك تعمل الحكومات على اعداد استراتيجيات لاربع الى خمس سنوات (عمر الحكومة والبرلمان بين كل عمليتي انتخاب او تعيين) ومن ثم استراتيجيات سنوية وكلاهما تتساوقان مع الاستراتيجية الكبرى فلا يتاثر مسار تحقيق الرؤية البعيدة والمتوسطة والقصيرة بتغيير وزير او احداث تعديل وزاري بل يستمر المسار دون العودة الى نقطة الصفر (الحالة العربية المستعصية في معظم الاقطار).
نماذج
شهد العراق ما بعد 2003 صراعًا واضحًا بين المكونات السياسية الشيعية، السنية، والكردية، ما ساهم في تقاسم الدولة على أسس طائفية وقومية، ما انعكس على هيئة محاصصة سياسية، تعطل معها عمل مؤسسات الدولة، ثم ساهم في انهيارها الجزئي اجتياح تنظيم داعش في 2014.
لبنان
تقاليد عربية: الصراع مع فكرة الدولةيعاني لبنان من نظام طائفي تقاسمي أدى إلى توزيع المناصب بناءً على الانتماء الطائفي لا الكفاءة، وهو ما جعل مؤسسات الدولة عاجزة عن القيام بواجباتها، كما ظهر جليًا خلال انفجار مرفأ بيروت عام 2020، حيث تداخل الفساد والإهمال والصراع الطائفي في تعطيل المحاسبة والعدالة.
اليمن
مع تصاعد الصراع بين المكونات السياسية والقبلية والمذهبية، وبدء الحرب الأهلية، انهار الاقتصاد اليمني وتفشت المجاعة والأوبئة، وأصبحت مؤسسات الدولة اما مقسمة اوغير فاعلة، ما تسبب في حدوث كارثة إنسانية واسعة النطاق.
ليبيا
تحولت ليبيا بعد 2011 إلى ساحة نزاع بين حكومات ومليشيات تتلقى دعمًا من دول إقليمية ودولية مختلفة. غابت السلطة الموحدة وبدلا من فكرة الدولة تحولت البلد الى ساحة للقوى المتناحرة وحروب الوكالة.
السودان
حين يشعر المواطن بأن الدولة لا تمثله، وأن الانتماء لها لا يضمن له الحقوق، يبدأ بالانكفاء على هوياته الفرعية. وتصبح فكرة “الدولة الوطنية” شيئًا ثانويًا أمام الانتماء للطائفة أو العرق أو الحزب.
تسببت الصراعات المتكررة بين القوى السياسية والعسكرية، وتعدد الولاءات، في إضعاف الشعور بالانتماء القومي، في هذا البلد ما اشعل نزاعات أهلية عديدة، من دارفور إلى جنوب السودان الذي انفصل في 2011، ما يعكس هشاشة مفهوم الدولة الموحدة في ظل الاستقطاب السياسي الحاد.
الدولة الوطن
صراع المكونات السياسية مع الدولة لا يُعد فقط صراعًا على السلطة، بل تهديد مباشر للهوية الوطنية، ولمقدرة الدولة على البقاء. اما بناء دولة متماسكة فيتطلب ما هو أكثر من تقاسم المناصب؛ يتطلب عقدًا اجتماعيًا ملزما يقوم على: الاعتراف بالتنوع مع الحفاظ على وحدة الدولة، تفعيل المؤسسات وضبط اداءها على أساس الكفاءة لا المحاصصة، احترام القانون والدستور كمرجعية جامعة، وتعزيز مفهوم المواطنة المتساوية.
تفقد الدولة مشروعيتها حين لاتتسع لكل مكوناتها ذلك ان الدولة نتيجة توافق شعب بمكوناته المختلفة. وما لم تحل الصراعات بالحوار، تُحسم بالفوضى. وتظل الشعوب تدفع فاتورة باهضة مع كل نوبة صراع.
ضحالة الخيال وغياب الرؤية اول الطريق نحو المشاريع الصغيرة التي تمثل بدورها بوابة لزمن المليشيات بدلا من زمن الدولة.

