من بائع متجول إلى سفير: يوسف يوثق الجمال بعدسة جوال

تقارير
من بائع متجول إلى سفير: يوسف يوثق الجمال بعدسة جوال

في قلب جبال ريمة الوعرة غرب اليمن، حيث تتوارى الطبيعة بجمالها الخفي ويغيب عنها اهتمام الإعلام، يبرز اسم الشاب يوسف الجبل، الذي حمل على عاتقه مهمة توثيق هذه المناظر الساحرة بكاميرا هاتفه المتواضعة. “يوسف”، الشاب العشريني من مديرية السلفية، حوّل شغفه بالتصوير إلى رسالة تهدف لإعادة تقديم محافظة ريمة للعالم، متحديًا بذلك العزلة والإهمال.

احد منازل ريمة
صورة بعدسة يوسف لأحد منازل ريمة

طموح يتجاوز الإمكانيات

يعيش يوسف في أسرة بسيطة ولا يمتلك أي أدوات احترافية للتصوير، فكل ما ينتجه من صور ومقاطع فيديو هو نتاج جهوده الذاتية مستخدمًا هاتفه الشخصي. ورغم ذلك، يطمح يوسف للحصول على كاميرات وعدسات حديثة وطائرة درون للتصوير الجوي، ويحلم بأن يصبح مخرجًا ومصورًا فنيًا محترفًا يُشار إليه بالبنان.
يواجه يوسف صعوبات جمة، أبرزها عدم امتلاكه لأدوات التصوير الاحترافية التي تحد من رؤيته الفنية، إضافة إلى مخاطر تسلق الجبال الشاهقة في ريمة. يصف يوسف لـ “حدث نيوز” معاناته قائلًا: “نتعرض للمخاطر أثناء تسلق الجبال، بعض المناطق التي أزورها لا توجد طرقات ونضطر للمشي على الأقدام لمسافات طويلة”. يحلم يوسف بمواصلة دراسته الجامعية والحصول على الإمكانيات التي تمكنه من نقل صورة جميلة عن اليمن.

كفاح من أجل الموهبة

يقضي يوسف جل وقته في العمل بمدينة صنعاء لمواجهة ظروف الحياة الصعبة، حيث عمل كبائع متجول للملابس. يقول يوسف: “لا يوجد معي من يساندني ويدعمني ماديًا، أعتمد على نفسي وبدأت من الصفر. لذلك انطلقت نحو سوق العمل واشتغلت بائعًا متجولًا في شوارع صنعاء، خصوصًا أيام مواسم العمل في الملابس، مثل موسم ما قبل الأعياد وموسم دخول فصل الشتاء”. ويضيف: “كنت أحمل الملابس على كتفي في بدايتي، وأتجول في أسواق صنعاء، وبعض الأوقات كنت أفرش بسطة صغيرة وأبيع الملابس. عندما ينتهي الموسم، أسافر إلى قريتي وأبدأ بممارسة شغفي وحبي للتصوير والترحال والتوثيق”.

يوسف واصدقائه
صورة تجمع يوسف بأصدقاء له

نظرة مجتمعية ودونية

يعيش “يوسف الجبل” صراعًا دائمًا بين شغفه بالتصوير والإعلام وظروفه القاهرة، بالإضافة إلى الانتقادات المجتمعية الواسعة التي كادت أن تطيح به، حسب وصفه لـ “حدث نيوز”: “أنا أول مصور في المنطقة، أعيش في مجتمع ريفي لا يفكر بالإعلام، وأول شخص يكتب اسمه على الصورة، وأول شخص من أبناء المنطقة يظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، وأول شخص أظهر للمجتمعات أننا ننقل الصورة وجمال المناطق السياحية في محافظة ريمة”.

يعاني المصور يوسف الجبل من النظرة الدونية التي يرى بها المجتمع المحيط به عمله، حيث يعتبرون التصوير فراغًا وضياعًا للوقت. يرى يوسف أن مجتمعه لا يفكر إلا بالعمل في الأعمال الشاقة أو السفر للغربة، أما الفن والإعلام، فهذا شيء من “الهراء” كما يصف.

معاناة مستمرة وشغف لا ينطفئ

يجمع يوسف تلك المبالغ الضئيلة من أرباح عمله ليواصل شغفه في التصوير، ويعود إلى قريته ليتنقل من منطقة إلى أخرى عاكسًا جمالها. وقد كسب يوسف قاعدة جماهيرية واسعة من أبناء المحافظة، وبدأ يلاقي صدى واسعًا وتأييدًا بعد أن كان يواجه الرفض. ولا يزال يطمح لمواصلة الدراسة الجامعية في تخصص الإعلام.

احد جبال ريمة
صورة لأحد جبال ريمة بعدسة يوسف

يطلب بعض متابعي يوسف على فيسبوك من أبناء محافظة ريمة زيارة مناطقهم وقراهم التي يشتاقون لرؤيتها، فقد تميزت عدسة جواله بكونها تأسر قلوب المغتربين والمهاجرين عن الديار. يقول يوسف لـ “حدث نيوز”: “بعض متابعيني يطلبون مني التنقل وزيارة مناطقهم ولا يعلمون حجم المعاناة والعوائق التي تحاصرنا، من المعاملة على التصاريح وصعوبة السفر من منطقة إلى أخرى ومشقة الطريق والتكاليف”.

رغم كل القيود التي تكبل خطواته، يواصل “يوسف الجبل” السير على دروب الحلم، مؤمنًا أن الصورة قد تكون أقوى من الكلمات، وأن شغفه نار لا تنطفئ. لم يكن الطريق مفروشًا بالورد، لكن يوسف اختار أن يمضي، يحمل ريمة في عينيه وعدسته، ويناضل بصمت ليمنحها المكانة التي تستحقها في خارطة الجمال السياحي اليمني. إنه نموذج للمثابر الذي لم يُمهّد له الطريق، فشقه بنفسه ليجعل من حلمه واقعًا يُشار إليه بفخر.

تقرير خاص بـ حدث نيوز بقلم: محمد جمال الطياري