سيول شرعب: الإنسان والطبيعة

حدث نيوز: إسماعيل أحمد
في بعض عزل شرعب الرونة غضبت الطبيعة وانفتحت السماء دفعة واحدة ، فانهمرت السيول بعنف غير مسبوق ، جرفت معها التربة والجدران الحجرية ، وقطعت الطرقات ، وأخفت مساحات زراعية كاملة كما لو لم تكن قائمة يوما ، فيما تحول بعضها إلى مجار موحشة تتدفق فيها المياه بغير وجهة ولا حدود.
ليست الطبيعة هي من غضب على الإنسان ، بل الإنسان من سبق أن تنكر لها ، أهملها فأهملته ، فالمدرجات الزراعية التي بناها الأجداد حجرا فوق حجر ، لتحرس الجبال ، اندثرت ، وتركها الناس لتنهار ببطء ، حيث تعرت الجبال من غطائها الأخضر ، فانكشفت وهاجت بسيولها على الأودية لتجرفها مع أول موجة جارفة.
والحقيقة أنه ما كان الإنسان ليتخلى عن علاقته بالأرض لولا شعوره بانفراط العقد بينه وبينها ، فالأرض التي كانت يوما مصدر حياة للأسر ، لم تعد اليوم تكفي لسد الرمق ، حيث تكاثر السكان وتقسمت التركات بين الورثة وتفتت الحيازات حتى صار نصيب الفرد مجرد قطعة لا تغري بزراعة ولا تحتمل عناية. الأرض فقدت قيمتها في عيون أهلها، فأهملوها .
وقبل ذلك ما كان للإنسان أن يغادر الريف أصلا لولا أن أنماط المعيشة تبدلت ، فلم تعد الحاجات تقتصر على قوت اليوم وثوب يستر الجسد ومأوى متواضع على سفح الجبل ، بل اتسعت لتشمل متطلبات نقدية لا تنتهي. هنا بدأ النزوح نحو المدن، وهناك بدأت رحلة الهجرة خارج الحدود ، بحثًا عن دخل يغطي تلك الحاجات الجديدة وكان من الطبيعي أن تترك المدرجات عارية في مواجهة الرياح والأمطار .
بقدر ما تؤثر البيئة في الإنسان بقدر ما تتأثر به ، وبقدر ما تبدو السيول حدثا طبيعيا ، تفصح عن حالة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية ، فالسيل قبل أن يجرف الأرض ، كان قد نعى أي صلة للإنسان بها .

