أفواهٌ مليئة بالقذارة: كيف صار الجهل رأيًا عامًا لدى بعض الإصلاحيين والمؤتمريين؟

مقالات
أفواهٌ مليئة بالقذارة: كيف صار الجهل رأي...
عادل الشجاع

لم تعد معركة اليمن، في أحد وجوهها، مجرد صراع على الأرض أو السلطة، بل تحولت إلى ساحة موازية تُخاض على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتبدى أزمة أعمق: انهيار اللغة، وتفكك المعنى، وانحدار الخطاب إلى مستويات غير مسبوقة من الابتذال. هناك شريحة صاخبة لا تمتلك من أدوات التعبير سوى الشتيمة، ولا من وسائل الإقناع سوى الإساءة، وكأنها قررت أن تستبدل العقل بالغريزة، والحجة بالصراخ.

هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في انتماء سياسي بعينه، وإن كانت أكثر بروزًا داخل الإصلاح والمؤتمر، لكنها في جوهرها تعبير عن حالة نفسية واجتماعية مأزومة. فحين يعجز الفرد عن إنتاج فكرة، يلجأ إلى تحطيم الآخر، وحين يشعر بالهشاشة، يتخفى خلف قناع العدوان. إنها آلية دفاع بدائية تعكس فراغًا داخليًا أكثر مما تعكس موقفًا سياسيًا واعيًا.

إن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي مرآة الوعي. وحين تنحدر اللغة إلى هذا المستوى من السوقية، فإن ذلك يعني أن الوعي نفسه قد تعرض لتشوه عميق. ما نشهده اليوم ليس اختلافًا في الرأي، بل تآكلًا لفكرة الرأي ذاتها. لم يعد هناك نقاش، بل مبارزات لفظية قذرة، ولم يعد الهدف إقناع الآخر، بل إلغاؤه معنويًا.

الأخطر من ذلك هو الصمت القيادي. هناك تجاهل من قبل القيادات السياسية لهذا الانفلات، وإن لم يكن تشجيعًا له. فهذه القيادات لا تقف على الحياد، بل تساهم ضمنيًا في تكريسه؛ فالصمت هنا ليس حكمة، بل تواطؤ. وأي جماعة لا تضبط خطابها الداخلي، ولا ترسخ قيم الاحترام والنقد المسؤول، فإنها تفتح الباب أمام انحدار شامل يطال صورتها وشرعيتها معًا.

إن المسؤولية الأخلاقية للكلمة لا تقل أهمية عن أي مسؤولية سياسية أو عسكرية، بل لعلها أكثر خطورة، لأنها تؤسس للوعي الذي سيُبنى عليه المستقبل. وحين يُترك المجال للغة الكراهية لتحتل الفضاء العام، فإننا لا نؤسس فقط لعداوات آنية، بل نزرع ألغامًا اجتماعية ستنفجر في وجه الأجيال القادمة.

ما نحتاجه اليوم ليس مجرد دعوات خجولة لضبط الخطاب، بل موقف حازم يعيد الاعتبار لقيمة الكلمة. يجب أن يُقال بوضوح: الشتيمة ليست رأيًا، والانحطاط ليس حرية تعبير، والابتذال ليس شجاعة. كما يجب أن تتحمل القيادات مسؤوليتها في ضبط هذا الخطاب، لا عبر القمع، بل عبر ترسيخ نموذج مختلف يقوم على الحجة، والاحترام، والوعي.

أما على المستوى النفسي، فإن هذا السلوك يعكس خليطًا من الإحباط لدى أصحابه، والشعور بالعجز، والرغبة في التعويض عبر العدوان على الآخرين. كثير ممن ينخرطون في هذا النوع من الخطاب لا يشعرون بالقوة إلا حين يتقيؤون في وجه الآخرين، ولا يجدون لأنفسهم قيمة إلا عبر إلغاء غيرهم. وهذه حالة مرضية تحتاج إلى وعي مجتمعي يعريها، لا إلى صمت يبررها.

في النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن ينهض بلغة مكسورة وأخلاق منهارة. وإذا لم يتم وضع حد لهذا الانفلات، فإن الخسارة لن تكون سياسية فقط، بل حضارية أيضًا. فالأمم لا تسقط فقط بالهزائم العسكرية، بل تسقط حين تفقد أخلاقها وقدرتها على التفكير، والتعبير، واحترام إنسانيتها.

المصدر : صفحة عادل الشجاع