أحياناً نحتاج إلى الابتعاد لنكتشف من يختفي عندما نغيب

مقالات
أحياناً نحتاج إلى الابتعاد لنكتشف من يختفي عندما نغيب
رافت المليكي

في رحلة الحياة، كثيرا ما نمر بلحظات من الصمت والابتعاد، نحتاج فيها إلى أن نوازن بين الوجود والغياب، لندرك من يسعى وراءنا ويبحث عنّا، ومن ينسى أو يتجاهل غيابنا. فالبعض يظل حاضرًا في القلب، حتى وإن غاب الجسد، بينما آخرون يختفون بسهولة، عندما لا نكون جزءًا من أسرتهم اليومية أو اهتماماتهم.

تلك اللحظات من الغياب، تحمل في طياتها دروسًا عميقة، فبها يتضح من تمسك بحبنا ووجودنا الحقيقي، ومن يقتصر على مجرد استهلاك لحظاتنا دون أن يشعر بثمن غيابنا الحقيقي. قد يعتقد الإنسان أحيانًا أنه بحاجة إلى الاختباء، أن يختفي عن الأنظار ليحفظ كرامته أو ليحمي نفسه من جرح أو خيبة أمل. ولكن، هل هو حقًا بحاجة لذلك؟ أم أن ما يحتاجه هو أن يبحث عنه ويلاحق، ليعرف مدى أهمية وجوده في حياة من يهمونه؟

الغياب، كما يقولون، يعلمنا الكثير، فهو من يميز بين من يعتز بوجودنا، وبين من يكتفي بذكرياتنا من بعيد، أو ينسى تماما أن هناك إنسانا كان جزءًا من حياته. فالمعرفة أن من يفتقدك حقًا هو من يشعر بغيابك، من يشتاق لسنواته، من يتلمس ألمه ويبحث عنك كأنه يبحث عن روحه المضيئة وسط ظلام الغربة والفراغ.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة أن الدنيا التي نعيشها لا تعني شيئًا إذا لم يكن هناك من يشتاق لغيابنا، من يشتاق لرؤيتنا، من يشعر بنا حين نختفي. فليس الغياب دائمًا ضعفا، بل أحيانًا يكون رسالة، يختبر فيها القلب قوة الحب وصدق الانتماء.

فلنتذكر دائمًا أن في غيابنا من يفتقدنا حقًا، وأن البقاء دائماً للذين يدركون أن غيابنا غربة، يشتاقون لأثرنا، ويبحثون عنا، لأنهم ببساطة، يشعرون بأن غيابنا هو غربة في داخلهم.

 

حدث نيوز : رأفت المليكي.