الرق والاستغلال في اليمن: من الأسواق السرية إلى وثائق البيع العلنية

تقرير خاص- حدث نيوز: في عالم يتجه نحو التحرر وتعزيز حقوق الإنسان، يبقى واقع الرق والاستغلال في اليمن وصمة عار على جبين الإنسانية. يسلط هذا التقرير الضوء على استمرار هذه الممارسات البشعة، مستندًا إلى شهادات حية من ناشطين وحقوقيين، وقصص مؤلمة تكشف عن مدى تغلغل هذه الظاهرة في المجتمع اليمني، وتواطؤ بعض الأطراف في إدامتها.
تجليات الرق في اليمن: من “قناف بن سيارة” إلى “ليمونة“
في عام 2008، صدمت قضية “قناف بن سيارة” الرأي العام، حيث كشفت عن وجود سوق نخاسة مقنن في اليمن. “قناف”، الذي “اشتُري” بموجب وثائق قانونية مقابل دية لجريمة قتل ارتكبها مستعبده، فضح كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى سلعة تُباع وتُشترى بوثائق رسمية في القرن الحادي والعشرين. لم تكن هذه الحادثة معزولة؛ إذ أقرت محكمة في حجة ضمنيًا بالرق من خلال قبول دعوى قضائية لشراء وتحرير أحد المستعبدين، ما يعكس استمرار منطق تسليع البشر والاتجار بهم في أروقة القضاء.
على الرغم من وجود مادة قانونية هزيلة في قانون العقوبات اليمني (المادة 248) تجرم بيع وشراء البشر وتفرض عقوبة بالسجن لمدة لا تزيد عن عشر سنوات، إلا أن تطبيقها ظل محدودًا إن لم يكن معدومًا. قضية “قناف بن سيارة” نفسها أثارت استنكارًا واسعًا وتناولها برنامج “الصندوق الأسود” الوثائقي، لكن يبدو أن تأثير هذه الأصوات الخافتة لم يكن كافيًا لردع هذه الممارسات.

تشير التقارير الميدانية إلى أن المئات، بل ربما الآلاف، من اليمنيين لم يعرفوا معنى الحرية قط، ورثوا العبودية عن أمهات مستعبدات، ويعيشون في ظلمات الجهل والتغييب، غير مدركين لحقوقهم الأساسية. وتؤكد المعلومات الواردة من محافظتي حجة والحديدة، تحديدًا منطقتي عيدينه بحجة والزهرة بالحديدة، على استمرار وجود مستعبدين حتى وقتنا الحاضر.
شهادات حية تفضح الواقع المرير
وثقت المحامية والناشطة الحقوقية ثريا يسر تجربتها المباشرة مع المستعبدين في مديرية الزهرة بالحديدة عبر سلسلة مقالات مؤثرة على صفحتها “Think Thuraya”. تروي “يسر” كيف صدمتها اقتراحات البعض باستغلال هؤلاء المستضعفين كعمالة منزلية رخيصة، مشيرة إلى أن المعلومات المتوفرة لديها حول هذه المديرية وواقع العبودية فيها لم تجعل الأمر مفاجئًا تمامًا، بل أكدت على عمق المشكلة.
من جهتها، قدمت الناشطة الحقوقية وردة الوضحي شهادة أكثر تفصيلًا وقسوة، مؤكدة على استمرار وجود العبودية والجواري في اليمن. وأشارت إلى حالات مروعة يتم فيها نسب أبناء الجواري إلى أمهاتهم، بل ويتعرضن للاعتداء الجنسي من قبل سادتهن وأبنائهم. وفي تصريح خاص، أكدت الوضحي أن “العبودية في اليمن حقيقة وليست إشاعة”، مشددة على أن هذا الواقع المرير يتم توثيقه باستمرار.
“ليمونة”: رمز للعبودية الحديثة والإفلات من العقاب

تجسد قصة الطفلة “ليمونة” وجهًا آخر مروعًا للعبودية الحديثة في اليمن. “ليمونة”، التي بيعت من قبل والدها مقابل 200 دولار لسداد دين، تكشف عن مدى هشاشة وضعف الفئات الأكثر تهميشًا في المجتمع. ورغم التدخلات الحقوقية لاستعادتها، يظل شبح تكرار المأساة قائمًا في كل مرة يواجه فيها الأب ضائقة مالية، مما يحول الطفلة إلى رهينة دائمة للظروف الاقتصادية القاسية.
الأكثر إثارة للقلق هو أن عملية بيع “ليمونة” تمت بوثيقة رسمية وبحضور شهود، دون أن يترتب على ذلك أي محاسبة للمتورطين. بل تظهر صور لاحقة لهم وهم يتعاطون القات في استهتار واضح بالقانون وحقوق الإنسان، ما يعكس حالة من الإفلات التام من العقاب وتشجيع ضمني على استمرار هذه الجرائم.
تعلق وردة الوضحي بغضب على هذه القضية قائلة: “ليمونة ستكون الدجاجة التي ستبيض 200 دولار كلما احتاج الأب البائع مبلغًا من المال. لو كان أبًا محترمًا لعمل عند رجل له مجانًا لساعات يومية بدلًا من أن يرمي ابنته هذه الرمية البشعة.” يلخص هذا التعليق مدى الاستهانة بالكرامة الإنسانية وتحويل الأطفال إلى مجرد أدوات لسد الحاجة المادية.
نداء عاجل للتحرك
إن الشهادات والوقائع المروعة التي تم الكشف عنها تستدعي تحركًا عاجلًا وحاسمًا على كافة الأصعدة. يجب على الحكومة اليمنية تفعيل القوانين وتطبيقها بحزم، ومحاسبة المتورطين في جرائم الرق والاستغلال، وتوفير الحماية والدعم اللازمين للضحايا لضمان إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع.
كما يناشد هذا التقرير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية والمجتمع الدولي بأسره للضغط بكل الوسائل المتاحة من أجل إنهاء هذه الممارسات التي تمثل وصمة عار على جبين الإنسانية. إن صمت المجتمع الدولي وتقاعسه عن التحرك الفعال يساهم في إدامة هذه الجرائم ويشجع مرتكبيها على الاستمرار في انتهاك حقوق الإنسان الأساسية.
ختامًا، لا يمكن تحقيق مستقبل آمن وكريم لجميع اليمنيين إلا من خلال القضاء التام على كافة أشكال الرق والاستغلال، وتوفير بيئة قانونية واجتماعية تحمي حقوق الإنسان وتضمن كرامة الجميع دون استثناء. قضية “ليمونة” وقصص المستعبدين الآخرين يجب أن تكون بمثابة صرخة مدوية تهز الضمير العالمي وتدفعه إلى العمل الجاد لإنهاء هذه المأساة الإنسانية في اليمن.
تقرير خاص لـ منصة حدث نيوز بقلم: لؤي العزعزي

