هل ما زالَ بالإمكانِ إحداثُ تغييرٍ في مجتمعاتٍ متهالكةٍ؟

مقالات
هل ما زالَ بالإمكانِ إحداثُ تغييرٍ في مجتمعاتٍ متهالكةٍ؟
غدير العقيلي

ننظرُ حولنا، فنرى شوارعَ تعجُّ بالوجوهِ المتعبةِ، ونفوسًا مثقوبةً بالأملِ، ودُوَلًا تقفُ على شفا الهاويةِ، بينما تتدلّى فوقها لافتةٌ كُتِبَ عليها: “هنا عاشَ شعبٌ… ثم نسيَ نفسَه.”
نسألُ أنفسَنا، وسط هذا الركامِ: هل ما زالَ بالإمكانِ إحداثُ تغييرٍ في مجتمعاتٍ متهالكةٍ؟

هو سؤالٌ لا يُطرَحُ من بابِ التشاؤمِ، بل من صميمِ الحاجةِ إلى الأملِ، رغمَ هشاشتِه. حينَ تتآكلُ المؤسّساتُ، ويتحوّلُ التعليمُ إلى طقوسٍ، والصحةُ إلى امتيازٍ، والعدالةُ إلى وهمٍ،
هل يكفي حالمٌ واحدٌ ليقلِبَ الطاولةَ؟ هل تكفي كلمةٌ صادقةٌ، أو فكرةٌ جريئةٌ، أو حتى صرخةٌ، لتوقظَ من ظنَّ أن لا شيءَ يستحقُّ اليقظةَ؟

إرثٌ من الانهياراتِ… فهل من فُسحةٍ للنجاةِ؟

تُعاني كثيرٌ من مجتمعاتِنا من أمراضٍ متراكمةٍ: الفسادِ، والتجهيلِ، والقمعِ، والفقرِ، والانقسامِ…
أمراضٌ تنخرُ العظامَ بصمتٍ، ثم تفيضُ إلى السطحِ في هيئةِ حروبٍ، وثوراتٍ مغدورةٍ، وأجيالٍ بلا مستقبلٍ.
كيف نُحدِثُ تغييرًا في بيئةٍ لا تحتفي بالكفاءةِ، بل تُكرِّمُ الولاءَ؟ كيف يُصلحُ المجتمعُ ذاتَه، إن كان كلُّ من يحاولُ الإصلاحَ يُقصى، ويُسخَرُ منه، أو يُداسُ؟

في كتابهِ اللامنتمي، يصفُ كولن ويلسون حالةَ الإنسانِ الذي يشعرُ بالغربةِ في مجتمعِه المتداعي، لكنه رغمَ ذلك، لا يرضى أن يتحوّلَ إلى حجرٍ في الجدارِ المتشقِّقِ،
بل يبحثُ عن معنى، ويُصرُّ على أن يكونَ له أثرٌ، ولو كان هشًّا. فالمجتمعاتُ المتهالكةُ لا تحتاجُ مزيدًا من الصمتِ، بل تحتاجُ من يُزعجُها بأسئلتِه، يُربكُها بأفكارِه، ويهزُّها من سُباتِها الطويلِ.

التغييرُ يبدأُ حين يتخلّى الناسُ عن العادةِ

التغييرُ الحقيقيُّ لا يبدأُ بانقلابٍ سياسيٍّ، ولا بمرسومٍ سُلطويٍّ، بل يبدأُ حينَ ينظرُ الإنسانُ إلى نفسِه ويسألُ: “هل أنا كما ينبغي أن أكونَ؟”
التغييرُ يبدأُ حينَ يتوقّفُ الناسُ عن التماهي مع الفسادِ، والتصالحِ مع القبحِ، والتصفيقِ للباطلِ.
حينَ يكفّون عن قولِ: “لا فائدةَ” ويبدؤون بالسؤالِ: “ما الذي بوسعي فعلُه؟ ولو كان بسيطًا؟”

في كلِّ أمةٍ انهارت، كانت هناك دائمًا فئةٌ اختارت أن تُقاوِمَ.
سقراطُ واجهَ المجتمعَ الأثينيَّ حين بدأ ينهارُ من داخلِه، وقالَ كلمتَه فماتَ ولم يمتْ.

مالكوم إكس لم يكن سوى شابٍّ غاضبٍ في شارعٍ أمريكيٍّ، لكنه أرادَ تغييرَ وعيِ السودِ، لا ملامحَهم فقط، فزرعَ شرارةً.
جبران خليل جبران كتبَ في وجهِ مجتمعِه الذي سَحقَ المرأةَ وقيَّدَ الروحَ، فحرَّرَ أجيالًا بالكلمةِ.

فهل نحن أقلُّ منهم؟ هل صرنا نهابُ الحلمَ إلى هذه الدرجةِ؟

استدلالاتٌ من الواقعِ… لا من الخيالِ

في ربيعِ 2011، خرجت شعوبٌ عربيّةٌ تهتفُ للحريةِ، رغم أنَّ الكثيرَ من تلك المجتمعاتِ كانت تُوصَفُ بـ”الميؤوسِ منها”.
ورغمَ ما آلت إليه بعضُ الثوراتِ، إلا أن فكرةَ أن التغييرَ ممكنٌ ترسّخت في وعيِ ملايينِ الشبابِ.
نعم، تشوَّهَت الأحلامُ، وخُدِعت الشعوبُ، لكن البابَ الذي كُسِرَ لن يُغلَقَ بالكاملِ مرةً أخرى.

وفي رواندا، التي مزّقتْها الحربُ الأهليّةُ عام 1994، وقُتِلَ فيها أكثرُ من 800 ألفِ شخصٍ، عادَ شعبُها من الجحيمِ، وبنى مجتمعًا جديدًا على أنقاضِ الموتِ.
اليوم، تُعَدُّ رواندا من أكثرِ الدولِ الأفريقيةِ نموًّا واستقرارًا.
هل كان ذلك ممكنًا لولا إيمانُ مجموعةٍ صغيرةٍ بأنّ المأساةَ ليست قدرًا أبديًّا؟

الإرادةُ… لا الجغرافيا، هي من تُقرِّرُ

لسنا بحاجةٍ إلى مجتمعاتٍ مثاليةٍ لنبدأَ التغييرَ، بل إنَّ أكثرَ التحوّلاتِ العظيمةِ وُلدَت من قلبِ الفوضى.
التغييرُ ليس امتيازًا للمجتمعاتِ المتقدّمةِ، بل هو حقٌّ للمجتمعاتِ المتهالكةِ، بل هو نداءُها الأخيرُ للنجاةِ.

لكنَّ التغييرَ لا يحدثُ بالخُطَبِ، بل بالفعلِ، بالوعيِ، بالإصرارِ.
حين نُعيدُ الاعتبارَ للعلمِ، وللفنِّ، وللأخلاقِ،
حين نختارُ الصدقَ بدلَ التواطؤِ، والنزاهةَ بدلَ التبريرِ،
حين نصنعُ في كلِّ مكانٍ صوتًا مختلفًا، وملامحَ نقيّةً، وحكايةً جديدةً…
يومَها فقط نُحدِثُ التغييرَ.

في المجتمعاتِ المتهالكةِ، يُصبحُ الصمتُ دينًا، واليأسُ عقيدةً، والانحناءُ فطرةً.
لكن دائمًا هناك من يرفعُ رأسَه، من يكتبُ، من يغضبُ، من يزرعُ فكرةً في أرضٍ قاحلةٍ، فقط لأنه يؤمنُ… أن الحياةَ تستحقُّ المحاولةَ.

ما دام هناك قلبٌ ينبضُ، وضميرٌ يرفضُ، وعقلٌ لا يساومُ… فالتغييرُ ممكنٌ، ولو من شقٍّ في الجدارِ.

فهل ما زالَ بالإمكانِ إحداثُ تغييرٍ؟

حدث نيوز : غَـدِيـر عَبد الگـرِيـم الـعَـقِـيلـي.