صراعات الماضي والحاضر تُعيد رسم خارطة التمزق!

مقالات
صراعات الماضي والحاضر تُعيد رسم خارطة التمزق!

عدن خاص- حدث نيوز: لطالما عانى اليمن، عبر قرون مديدة، من وطأة التشرذم والانقسام. تاريخيًا، كانت هذه الأرض مهدًا لممالك وسلطنات جمعها لسانٌ واحد ومصيرٌ مشترك، لكنها اختلفت حد التناحر على خلفية أطماع سياسية ومصالح شخصية ضيقة. ظلت هذه الممالك المتناثرة على حالها حتى بزغ نجم القيل اليمني العظيم سيف بن ذي يزن، الذي وحّد القبائل اليمنية تحت راية واحدة لمواجهة الغزو الحبشي.

نجح ذي يزن في مهمته، لكن الأحباش كانوا قوة إمبراطورية راسخة امتد نفوذها من أفريقيا إلى أجزاء واسعة من العالم. وكما هي مأساة التاريخ المتكررة، انتهى الأمر باستدعاء قوى خارجية من أجل التحرر، ليحل غازٍ جديد محل آخر. استنجد ذي يزن بالفرس، وسرعان ما تحول هؤلاء الحلفاء المزعومون إلى غزاة، حالهم كحال من سبقوهم من الأحباش.

واليوم، وبمفارقة مؤلمة وساخرة للقدر، يعيد التاريخ نفسه للمرة الثالثة على أرض اليمن. فبعد عقود من الاختلاف والتشظي والحروب، بدءًا بحروب التحرر من الاستعمار البريطاني جنوبًا، مرورًا بالتحرر من حكم الأئمة، وصولًا إلى التحرر من النفوذ العثماني بشكل كامل، لا يزال اليمنيون يجدون أعذارًا واهية لتقبل الدعم الخارجي!

إنهم في حالة يُرثى لها، بينما تستغل القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في اليمن هذا الفراغ والحاجة لملئه وفقًا لأجنداتها وأطماعها الخاصة.

الإمارات العربية المتحدة، عبر أدواتها المحلية، تسعى للسيطرة على السواحل والموانئ اليمنية؛ من أجل ميناء رأس عيسى الاستراتيجي، الذي لن يصبح كذلك ان وجد من يهتم بالموانئ اليمنية.

أما المملكة العربية السعودية، فهدفها المعلن هو تأمين حدودها الجنوبية، بينما تطمح في الخفاء إلى الوصول إلى حقول النفط البكر في محافظة الجوف وغيرها من المناطق الغنية بالثروات غير المُستغلة.

في المقابل، تبدو سلطنة عمان متحفظة في تدخلها، لكنها عملت على مدى سنوات بهدوء على استقطاب سكان محافظة المهرة المتاخمة لحدودها، ومنحهم الجنسية العمانية إلى جانب جنسيتهم اليمنية، تحت شعار وحدة الدم، بينما تبقى الأهداف الخفية غير معلنة. ومع ذلك، تتراكم التقارير المحلية والدولية مؤخرًا حول تورطها المزعوم في تسهيل وصول الأسلحة الإيرانية إلى جماعة الحوثيين.

ولا يمكن تجاهل الدور القطري الذي يبدو مبهمًا للكثيرين، والذي يتجلى في دعم أجنحة حزب الإصلاح الأكثر انفتاحًا، وعلى رأسها جناح توكل كرمان، وفي الوقت ذاته، دعم الإعلام الحوثي عبر تمويل قناتي “الهوية” و”اللحظة”!

اليمن اليوم: خريطة تمزق معقدة

باختصار، يعيش اليمن اليوم حالة من الغرق في التقسيم والتشرذم. ينقسم البلد فعليًا إلى قسمين رئيسيين: جزء شمالي يسيطر عليه الحوثيون، باستثناء مناطق صغيرة، وجزء جنوبي يتوزع بين أطراف مختلفة من القوى الميدانية الفاعلة.

في محافظة مأرب ومدينة تعز وأجزاء من ريفها، بالإضافة إلى حضرموت الوادي، يفرض حزب الإصلاح بمختلف أجنحته وأطيافه نفوذه. أما منطقة المخا الساحلية غرب تعز، فتخضع لسيطرة القوات المشتركة، وتحديدًا قوات المؤتمر الشعبي العام بقيادة طارق صالح.

بقية مناطق الجنوب تقع تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، إلا أن هناك العديد من القيادات والقوى التي تشكل تهديدًا لبعضها البعض، مثل قوات “الأحزمة الأمنية” و”العمالقة” و”النخبة الشبوانية والحضرمية”. لا يجمع هذه القوى المتناحرة سوى عداء مشترك لجماعة الحوثيين المدعومة من إيران، والدعم الإماراتي.

ولإدراك مدى تعقيد الوضع في اليمن، يكفي أن تعلم أن للبلاد حكومتين متنافستين ومجلس نواب بنسختين! كل شيء في اليمن يبدو وكأنه يأتي بنسختين متوازيتين. والأكثر غرابة أن للشرعية اليمنية ثمانية رؤساء فعليين، إلى جانب رئيس صوري للحوثيين. لم يسلم من بطشهم أحد!!

يحاول الحوثيون ببراعة تلميع صورتهم عبر آلة دعائية ضخمة، مدعين نصرة غزة والانتماء إلى “محور الممانعة”، لكن الحقيقة المؤلمة هي أنهم ليسوا سوى أدوات رخيصة في يد الحرس الثوري الإيراني، الذي يسعى للانتقام من العرب جميعًا، مدفوعًا برغبة جامحة في السيطرة ونقل معاركه إلى أراضٍ خارجية.

اليمن اليوم بلد مُنهك، يعاني من صعوبات جمة، ولا تبدو في الأفق القريب بارقة أمل حقيقية، باستثناء المحاولات الجادة والتضحيات في سبيل استعادة الدولة الموحدة. لكن بقايا ما يمثل الدولة مصرة على عدم الاتحاد والاصطفاف من أجل مصلحة الوطن العليا. لا تكف القوى اليمنية عن الاختلاف والاقتتال، بينما يدفع اليمنيون وحدهم ثمن هذا الصراع المرير، في الوقت الذي يعيش فيه قادة الحكومة والرئاسة والمسؤولون اليمنيون في فنادق فخمة في الرياض والقاهرة والدوحة وإسطنبول!

ختامًا، لا يسع اليمنيين في هذه اللحظة العصيبة سوى نسيان مرارة الماضي، وتضميد الجراح الغائرة، ونفض غبار الخلافات جانبًا، والاتحاد صفًا واحدًا من أجل استعادة الوطن وتحقيق التحرر والكرامة المنشودة.

مقال خاص بقلم: لؤي العزعزي لـ حدث نيوز