رجلٌ خذل الدينَ بلحيته، وامرأةٌ نصرته

مقالات
رجلٌ خذل الدينَ بلحيته، وامرأةٌ نصرته

حدث نيوز : غدير عبدالكريم العقيلي

الدينُ ليسَ رداءً يُعلّق على الجسد، ولا زينةً تُعلّق على الوجوه، ولا هو لحيٌ تنمو على الذقون، تُكثّف كلّما خفَّ الإيمان، وتُسرّح كلما تقطّعت أوصال الأخلاق. الدينُ في جوهره: عملٌ، نيةٌ، صدقٌ، وتجلٍّ للإحسانِ في القول والفعل، لا في المظهر والادعاء.

إنّ المتأمل في واقعنا لا يغفل عن مشهدٍ تكرّر حتى صار مألوفًا: رجلٌ يتزيّن بعمامة وعباءة ولحيةٍ غزيرة، لكنّه يبيعُ دينَه بثمنٍ بخسٍ من جاهٍ أو مال، يسكت عن الحقِّ إذا صاح، ويخشى على منصبه أكثر من خشيتِه على دين الله، يستشهدُ بالأحاديث حين تخدم مصالحه، ويطويها حين تصطدمُ بها رغباته، حتى غدت لحيتُه عورةً فاضحة، لا تسترُ انكشافَ ضميره، ولا تحجبُ خيبته أمام الناس والحقّ.

وفي الجهة الأخرى، امرأةٌ لا ترتدي عِمامة، ولا تحملُ لقبًا دينيًا، لكنّها حين رأت باطلًا قالت: هذا باطل. وحين صاحت في وجه الظلم، لم تَخْشَ تهمة “صوت المرأة عورة”، لأنّ صوتها لم يكن نداء غواية، بل صرخة هداية، نطقتْ بالحقّ كما نطق به الصحابة والصحابيات، فكان صوتُها شرفًا، وبيانُها دينًا، وخوفُها على الحقِّ صورةً من تقوى الله.

أليس النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه”؟
ولم يفرّق في الحديث بين رجل وامرأة، ولا قال: “فليغيره بلحيةٍ أو صمتٍ مهيب”.

أليس أول من استنكر الوثنية في قريش كانت امرأة؟ وأول شهيدة في الإسلام كانت سمية؟

وأليست أم عمارة نسيبة بنت كعب، هي التي وقفت بسيفها تدافع عن رسول الله في أُحد، بينما تراجع بعض الرجال؟

يا قوم، ليست اللحية عنوانًا للدين ما لم تُزينها التقوى، وليس الصوت عورةً إن نطق بالحقّ، بل العورة هي في الصمت عن المنكر، والخوف من الطغاة، والركوع أمام الباطل.

وهذه لحى فاسدة، لا خدمت الدين، ولا استفاد منها الحلاقون.
لحى تتكاثر حين تتراجع المبادئ، وتختبئ خلفها الخيانات.
لحى تُسرّح بالمشط، ويُجفف تحتها الضمير.
لحى تبكي لحالها الملائكة، وتضحك منها الشياطين.

وها هنا امرأةٌ رفعت صوتها في زمن الخنوع، فكانت أمةً وحدها.
وها هو رجلٌ اختبأ خلف لحيته، فخان الدين، وخان الرجال.

إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى لحاكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
فلا تغرنّكم اللحى الكثيفة، ولا تصمّوا آذانكم عن صوتِ امرأةٍ قالت حقًا.

اللهم لا تجعلنا ممن يُخدعون بالمظاهر، ولا ممن يُرهبهم الصوتُ إذا صدح بالحقّ، واجعلنا ممن يرضيك قولًا وعملًا، ظاهرًا وباطنًا.