جهود المؤسسات الخاصة في حماية التراث والثقافة باليمن: صمودٌ يُعيد الأمل

تقارير
جهود المؤسسات الخاصة في حماية التراث والثقافة باليمن: صمودٌ يُعيد الأمل

تقرير خاص- حدث نيوز: يُعد التراث أحد أهم الركائز التي تُشكّل الهوية الوطنية للشعوب، فهو يُجسد الذاكرة ويعكس عمق التاريخ وتنوع الموروث الشعبي. في اليمن، يتجاوز التراث حدود الرمزية الثقافية، ليغدو جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، ومصدر فخر واعتزاز، رغم التحديات المتفاقمة التي تهدده.

التراث في اليمن ليس مجرد معالم أثرية أو مواقع تاريخية، بل هو انعكاس للثقافة اليمنية بكل تفاصيلها، من الفنون الشعبية إلى الحرف التقليدية، ومن الأغاني التراثية إلى الأزياء التقليدية، كلها تُشكل لوحة متكاملة تُعبر عن هوية الشعب اليمني.

الأصالة والعراقة

من أبرز شواهد هذا الإرث: مدينة صنعاء القديمة التي تعود لأكثر من 2500 عام وتُعد مثالًا حيًا للعمارة الإسلامية المبكرة. وكذلك مدينة شبام بمحافظة حضرموت، المعروفة بناطحاتها الطينية، التي تُجسد عبقرية البناء اليمني التقليدي. أما زبيد فهي حاضرة العلم والثقافة بما تحمله من إرث فكري عريق. فيما يُشكل أرخبيل سقطرى المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو نموذجًا فريدًا للتنوع البيئي والثقافي. وتبقى مأرب شاهدة على حضارة مملكة سبأ، بما تحمله من رمزية تاريخية.

في مدينة تعز، توجد مجموعة من المؤسسات الخاصة التي تهتم بقضايا التراث والثقافة، وتسعى هذه المؤسسات إلى حماية التراث من خلال تنفيذ خطط وبرامج متنوعة تهدف إلى المحافظة على الهوية الثقافية للمدينة وتعزيز الوعي بأهمية التراث.

مؤسسة إرم للتنمية الثقافية والإعلامية: حماية التراث بآلية علمية

في حديث خاص عن التراث، بيّن الأستاذ وضاح اليمن، مدير مؤسسة إرم للتنمية الثقافية والإعلامية، أن “التراث الثقافي هو الإرث المجتمعي من عادات وتقاليد وفنون بمختلف أنواعها، وتُعتبر ركيزة أساسية ومهمة في توطيد الروابط الاجتماعية ونقل الخبرات المكتسبة من جيل إلى آخر، مما يُسهم في تعزيز الشعور بالانتماء للأرض والهوية الوطنية”.

وأشار اليمن إلى التحديات التي تواجه التراث، موضحًا أن “الإهمال المتعمد في توثيق التراث الثقافي من قبل الجهات الرسمية يُعد من أبرز هذه التحديات”. ويُضيف: “يمكن أن يكون ذلك نتيجة لأسباب مباشرة تتمثل في نقص التمويل، أو لأسباب غير مباشرة مثل الاستقصاد الممنهج لتغييب التراث الثقافي وضرب النسيج الاجتماعي”.

تسعى مؤسسة إرم إلى حماية التراث من خلال برامج واستراتيجيات تهدف إلى إعادة توثيق التراث باستخدام آلية علمية وطرق حديثة. ويُشير وضاح إلى أن ذلك “يشمل توثيق الحكايات الشعبية في محافظة تعز، بالإضافة إلى توثيق الرقصات والأزياء الشعبية، وإنشاء قاعدة بيانات للأماكن التاريخية التي تعرضت للإهمال”.

يُشدد وضاح على أن “الحفاظ على التراث ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية الفرد والمجتمع، ولا بد أن يتحمل الجميع مسؤولية الحفاظ على هذا التراث كجزء من الهوية وروح الانتماء”. كما تتعاون مؤسسة إرم مع المنظمات والجهات الأوروبية لدعم جهودها في حماية التراث الثقافي، مما يعكس استعدادها للتعاون في كل ما يخص هذا المجال.

في ختام حديثه، يُؤكد وضاح على أهمية “الحفاظ على التراث التاريخي” مشددًا على أن “التراث يُسهم في خلق روح التعايش وتعزيز السلام بين مجتمعنا والمجتمعات الأخرى ويُعتبر التراث جزءًا لا يتجزأ من التاريخ والثقافة، مما يتطلب التزامًا جماعيًا للحفاظ عليه”.

مؤسسة وعي: رؤية طويلة لتعزيز الوعي الثقافي

من جانبه، أكد الأستاذ أنيس غيلان، مدير مؤسسة وعي، لمنصة “حدث نيوز” عن الرؤية الطويلة للمؤسسة فيما يتعلق بالتراث الثقافي. يُشير إلى أن “الرؤية تتمثل في الحفاظ على التراث الثقافي اليمني وتعزيزه كجزء من الهوية الوطنية. ونحن بحاجة إلى توثيق كافة عناصر التراث الثقافي ونقلها إلى الأجيال القادمة، مع تعزيز الوعي بأهمية التراث من خلال التعليم والمشاركة المجتمعية. كما نعمل على إجراء استشارات مع المجتمع المحلي والخبراء لتحديد المشاريع الأكثر تأثيرًا”. ومن الصعوبات التي واجهت المؤسسة التغيرات المناخية، ونقص التمويل، والصراعات المسلحة.

وأشار إلى المشاريع البحثية الجارية التي تهدف إلى توثيق التراث الثقافي، مثل توثيق الحرف التقليدية والمعالم التاريخية، وجمع القصص الشفوية من المجتمع لتعزيز فهم التراث. وأوضح غيلان أن المؤسسة تقوم بتخزين المعلومات في قواعد بيانات آمنة وتحليلها ومشاركتها مع المجتمع من خلال ورش العمل والمعارض، وأكد “لا بد من إشراك المثقفين والباحثين والأكاديميين المتخصصين في مجال التاريخ والتراث للحصول على المعلومات والتحقق من دقتها”.

وأشار إلى الأنشطة التي تقوم بها المؤسسة: “نُقدم ورش عمل وبرامج توعوية تستهدف المدارس والجامعات، ونُنظم أيضًا معارض وفعاليات ثقافية لتعزيز الوعي بأهمية التراث”.

في الختام، أضاف غيلان أن مؤسسة وعي تأسست لتكون حاضنة لقضايا التراث والثقافة في محافظة تعز، رغم قلة الدعم المتوفر، مع طموح أن تكون المنظمة الرائدة في اليمن، وأكد أن الوعي الثقافي هو أساس التطوير والتنمية والتمكين.

صوت الشباب: أملٌ رغم التحديات

وتحدث الإعلامي هيثم العبسي لمنصة “حدث نيوز”، وهو أحد الشباب المهتمين بالتراث، قائلًا: “يُعاني التراث الثقافي في اليمن من صعوبات كبيرة نتيجة النزاعات المستمرة والظروف الاقتصادية الصعبة. العديد من المعالم التاريخية تعرضت للتدمير والإهمال، مما يُهدد هويتنا الثقافية الغنية. هذه المعاناة ليست مجرد أرقام، بل هي قصص إنسانية تعكس فقدان الذاكرة الجماعية للشعب اليمني”.

وأضاف العبسي: “رغم كل هذه التحديات، هناك أمل. نحن نطمح إلى غدٍ أفضل، حيث يمكننا أن نُعيد الاعتبار لتراثنا الثقافي. إن إرادة الشعب اليمني في الحفاظ على هويته ليست فقط قوية، بل هي أيضًا مُلهمة. يجب أن نسعى جميعًا للعمل معًا، سواء من خلال الإعلام أو المؤسسات الثقافية، لنشر الوعي وتعزيز الفخر بتراثنا”.

مسؤولية جماعية للحفاظ على التراث

إن الحفاظ على التراث الثقافي في اليمن لا يُعد ترفًا، بل ضرورة وطنية وإنسانية، تتطلب عملًا تكامليًا بين المؤسسات الرسمية، والجهات المدنية، والمجتمع ككل. فكل حكاية شفوية، وكل نقش حجري، هو شاهد على عراقة هذا البلد، وعلى قدرة أبنائه على صون ذاكرتهم من النسيان، رغم كل التحديات.

تقرير خاص لـ حدث نيوز بقلم: إيهاب الزريقي