المرأة والعار في اليمن.. شرف مزيف، حياة مهدورة

من المفارقات العجيبة وغير المنطقية أن مفهوم الشرف غالبًا ما يُستحضر جنبًا إلى جنب مع العار. قديمًا، كانت العرب تقول: “لا حسبَ كالتواضع، ولا شرفَ كالعلم”. أما اليوم، فقد تحوّل مفهوم الشرف ليُربط بالحفاظ على الأعضاء التناسلية وغشاء البكارة، وتغليف المرأة وحبسها، حتى يكاد يُقال إن “الشرف الرفيع لا يسلم من الأذى حتى يُراق على جوانبه الدم”.
العار كأداة انتقام وتبرير للعنف
المخيف في الأمر هو تنكر مفهوم العار في صورة مشاعر كامنة خلف الغضب، لتغذي روح الانتقام من أضعف الأطراف التي يُتصور أنها ارتكبت ما يُصطلح عليه بالعار، وهي في الغالب المرأة. ساعد ميل الناس إلى الخلط بين العار والجريمة المستوجبة للعقوبة الصارمة في تحويل العار من مجرد عاطفة وسلوك غير مرغوب فيه إلى جرم مرتبط بنسق الضبط الاجتماعي، الذي يستلزم العقوبة الصارمة.
تكمن المشكلة في أن هذا الضبط الاجتماعي يُمارَس غالبًا من قِبل الفئات أو الجماعات الأقوى أو المهيمنة على الأضعف أو المُهيمَن عليها. يتجلى ذلك بشكل واضح في سلطة الضبط الاجتماعي التي يمارسها الذكر على الأنثى، والتي تتخذ صورًا متعددة من الوصاية على المرأة في العمل، في الشارع، وفي البيت. هذه السلطة تمنح الذكر حق الرقابة، وتستحضر الأعراف الاجتماعية والقواعد القبلية لتنفيذها متى حاولت الأنثى الخروج على قواعد هذا الضبط الاجتماعي. تشهد الأمثال الشعبية على هذا الواقع، فهي تشرّعن العقوبة وتبررها باسم الشرف: “النار ولا العار”، و”اللي تقدر على ديته اقتله”، و”الشيب ولا العيب”.
لقد أخرجت هذه الصورة النمطية للعار المفهوم من نسقه النفسي والعاطفي، وحوّلته إلى جريمة تستوجب العقوبة القاسية، وخلطت بين العيب والعار، وجمعتهما في سلة واحدة ينال مقترفها العقوبة ذاتها.
العار: مفهوم فلسفي ونفسي مُشوّه
من المفترض ألا تصمد أو تستمر هذه الصورة النمطية للعار إذا ما نظرنا في تاريخ الفلسفة وعلم النفس. فالبحث في انفعالات النفس والعواطف والشخصية والصحة النفسية – ومنها الشعور بالعار – يُعدّ من أقدم تقاليدهما وأكثرها استمرارًا. هذا التقليد يبدأ مع أرسطو في “الأخلاق النيقوماخية”، ويمر بابن سينا والفارابي، وصولًا إلى فلاسفة الحداثة مثل ديفيد هيوم، صاحب “الانفعالات”، وانتهاءً بالفلسفة المعاصرة، حيث لا تكاد تُعد أو تُحصى الأطروحات التي تتناول الأحاسيس والمشاعر.
إن العار، بهذا المفهوم، هو مجرد إحساس يطبع عالمنا الراهن، حيث يتجلى الإحساس بالذنب فيما يمكن وصفه، في التقاليد المفاهيمية، بالعار السياسي والاجتماعي. وهذا يشمل العار من ممارسة التعصب والعنصرية والتمييز العرقي، أو الشعور بالعار من تصرفات البشر إزاء الطبيعة والبيئة.
مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: فيصل الدودحي

