الشعوب الميتة: مأساة اليمن ومستقبل الحضارة

بعض الشعوب تموت وهي على قيد الخارطة، كشعبنا اليمني الذي يموت بتراجيديا لا حدّ لها أو مثيل. يعيش في بلدٍ أقرب إلى ردهات مشفى مزدحم أعزل، ملتهب بسوء التغذية والأوبئة والمخيمات، وعلى جدرانه وطرقه وأرصفته الجثث والجماجم والأشلاء والمتشردون والمتسولون، وفي مقابره أكبر تعدد سكاني في العالم.
شعب يركض بلا وجهة، بلا أمل، بلا حبّ. يعيش حاضرًا متكلسًا. لا يتقدم بقرار جماعي شجاع مزود بخطط بناء عقلانية نحو غدٍ آمن ومثالي، ولا يرجع للأمس ليحاكمه بنقد أكثر شجاعة، فيقطع مع أشباح وتابوهات تعمي عيونه وتسمر نظراته ببعد أحادي وضيق. يعيش متخبطًا ومشوشًا بين الظلمات والأصنام، وبين الشعور بالرغبة في تحقيق الذات الفردية والجماعية وبناء الوطن والمشاركة في هندسة الحضارة التي هرولت بعيدًا في التقدم. يتهرب من الوسائل والطرق التي تؤدي إلى ذلك مكتفيًا بالسُبات.
إنه مريض باستسلام أعمى عضال لمرجعيات أسطورية مهترئة تميت إرادته وقدرته وأحلامه. يظل يستجر تفاسيرها ومعاطفها البائتة المشكوك بصلاحيتها لعصرها، ويركن إلى قوالبها البائدة التي تصنع مصيره. مرتهنٌ لأمل وهمي بالنجاة دون بذل جهد حتى وإن كان نداءً خفيفًا لا صرخة. كلما راودته نجمة، فر إلى ضريح، أو ثلاجة الموتى.
أجيال مسحوقة ومستقبل غائب
أجياله ونهاراته مسحوقة ومدعوسة تحت وبين أقدام وتروس السلالية والخلافة ونظريات “إعادة تأثيث البيت” التي تتغيى الانتقام أكثر من دوافعها الوطنية. المنابر ولحى الليل تنوم إرادته وتشله كجنازة تسير أثناء النوم. يتفنن بالمناطقية والمذهبية والعنصرية رغم أنه يشعر بحاجة ضرورية لجرعات كبيرة من الحب والتسامح. أجيال ذهبية تدخر طاقة الحياة والبناء تم استهلاكها في المتارس ونقاط التفتيش والكراهية والعصبية والقتل المجاني والجنوح نحو الابتذال والثقافة الاستهلاكية والتبرج والتفاهة الممنهجة.
الحضارة: حوار بين الماضي والمستقبل
الشعب، دائمًا وأبدًا، هو من يبني الحضارة. وبناء حضارة هذا العصر لا يتم بخطوات عشوائية بلا مقادير وبلا رؤى مستقبلية، ولا بالتقوقع في دائرة مظلمة من الماضي. هذا انتحار. الحضارة هي الحاضر؛ ديناميكية جدلية مستمرة بين الماضي والمستقبل. تأسيس رؤيوي لأهداف سامية وغايات عظيمة، وقطع جذري مع كوابيس وثقوب سوداء. استبدال الظلام بالضوء، والقطع مع الحفر والسراديب، والتواصل مع النجوم.
المستقبل يحضر كمكان آمن بالتخطيط والرؤى. والماضي يحضر كمكان آمن بالتصحيح والتعديل وتفادي الأخطاء. دون محاكمة حقيقية شاملة وعادلة، دون قرار بالقطع مع الهفوات والهشاشة، دون قرار بالتواصل مع الومضات الخلاقة وتكريسها في تأسيس هوية قوية ذات صيرورة تطورية وحسن الانتقاء؛ يكون الماضي أجدب وعقيم لا يستطيع منح الطاقة لمحرك التقدم والنهوض والمشاركة بالعملية الحضارية.
كذلك، دون رؤى حرة ومتفردة، دون تصور شامل ووعي عميق بمتطلبات المرحلة وتطلعات الغد، دون تشبث قوي وإيمان جماعي متين بالقرارات تجاه التحديات، دون وعي الذات والآخر وتجاربه ومثاقفته؛ يكون المستقبل أعزل ومصابًا بالأنيميا، ومكتوبًا له الفشل مع أول خفقتي أجنحة. الماضي والمستقبل دون شروط نهوض الحضارة وتطورها وبالًا ونقمة ولعنة في حاضر الشعوب. وشعب منعزل عن هذه الديناميكية الحيوية يعوم في الحاضر المعتم بشكل أفيوني بشع ومقزز؛ شعب ميت.
شعب مصاب بـ “شهوة الموت”
شعب مصاب بالخراب، شهوة الموت، يعتنق كباره الأقزام الحرب بالوكالة، وتجري فطرة العمالة وشهوة بيع الجمل بما حمل في أوردتهم طولًا وعرضًا، دون أن يحرك ساكنًا، هو شعب ميت. شعب طاعن في الرعاش والهذيان والسحر، يكفر بقيمة الفرد المبدع المتفرد، ويكفر بالعقل الذي يمد أيديه لينتشله من الأوحال ويصيبه بداء التشرد والهامشية واللامعنى ويكوم السياط من حوله، هو، عموديًا وأفقيًا، شعب ميت. إهدار تفرّد، وخلود العقول الخلاقة إلى الأدراج والاصفرار؛ تأجيل علني للتقدم والتطور والنجاة، واعتناق كاميكازي للتخلف، لقرون كاملة من الزمن.
العار كبذرة ثورية
لا أعرف من يشعر بالعار من الآخر، أنا، أم الوطن المومياء. نفيت نفسي عنه: عن الجبال والأودية والمدن، عن البحر والبسطاء والفقراء، عن المتسولين والأشجار والفصول، عن الروائح والجروح والأنين، عن الجنائز والمآتم والتاريخ الزائف والمنهوب والمخبأ في سر الزمن. من جهته حاول نفي وإهانتي وسلب كرامتي ليغرس فيّ النكران. إلا أنني دائمًا ما أجدني بشكل جنيني وحميمي أحب وأنتمي إليه أكثر مما أحب وأنتمي إلى نفسي.
الشعور بالعار نوع من الغيرة الحقيقية والحب العميق، بذرة ثورية، شعور إنساني تجاه آلام وشقاء الشعب، رفض الحاضر والتمرد عليه والرغبة بتغييره واستبداله وخلق حاضر يمنح الحياة لا الموت. هذا الشعور الثوري بالعار شكل نقطة البدء في كل نهوض حققته بلد. شعوري الثوري الخلاق من الوطن يجعلني لا أستطيع الفكاك منه، أو التنكر له، أو التبرؤ من قضاياه وتطلعات أبنائه. لا أستطيع أن أنام دون أن أحلم به، أو أمشي تحت المطر أو الرصاص دون أن أبكي عليه. يربطني به على نحو أعمق ويجذر وجودي فيه، ويصبغ دوري نحوه بالمسؤولية الكبيرة والاستماتة في نهوضه وتقدمه.
أمل في الغد: متى يدرك اليمنيون؟
متى يشعر الإنسان اليمني بالغيرة على نفسه؟ شهوة الحياة أقوى من شهوة الموت. والحياة من أجل الوطن والله أقدس من الموت لأجلهما. والحياة ليست موتًا، فقط في غير ظروف وطن ميت، والموت ليس حياة، إلا من أجل غاية أو مبدأ عظيم. وعندما يتبوأ اللامعنى والأفكار الرخيصة والأهداف الشخصية أو الزمرية النخبوية الدنيئة والإيمان الساذج بالموت من أجلها أسمى الغايات في قلوب الأفراد؛ فإن الشعوب تكون قد وصلت إلى أسفل سافلين الانحطاط الحضاري والانتكاس الإنساني. متى يدرك الإنسان اليمني التعيس ذلك، أو حتى بعضًا منه؟
حديث موت الشعوب كثير جدًا: عندما تتوسل أصنام التاريخ لتبرر ضعفها وشللها الاستسلامي أمام الاستلاب والقهر، تقدس العمائم وتعلي شأن الوكلاء، تسفل بحقها بالكرامة والحرية والحياة، تتنصل من الثورة باعتبارها فعلًا خارجيًا وكارثة لا طاقة لها على حملها، وتتصورها خيانة ومؤامرة. تركن إلى فرج غيبي. تيأس من نفسها، تؤمن بعجزها، تصادق موتها السريري، تلجم هدير التوق الثائر للحياة في أحشائها. يتساوى عندها الفقير ومكب القمامة، الزعيم والله، النافذة والغبار، الشمس والملاريا، الثورة والبلاء. عندما تتنفس ببطء، تشهق بعنف، تسعل بأنين، تزحر بلا أمل.
وهكذا يموت شعبنا، في هذا العصر سيئ السمعة. الملايين من أفراد هذا الشعب أمست بلا قيمة، أمست حياتهم مهدورة، تتساوى عندهم الحياة والموت. أمست حلقة خاملة مفقودة في سلسلة التطور والتقدم في ذاكرة الغد، وأصبح كل ما تستطيع منحه للأجيال اللاحقة هو الأضرحة ورميم خام. إلا أن أفراد الشعوب الميتة التي وجدت في توقيت خاطئ وحرج كأفراد شعبنا، لا تخلو من توق جامح للحياة، ورغبة شديدة في العود الأبدي، ونزوع لاستحقاق حياة أخرى، أي فرصة أخرى للنمو، للبناء، للحياة.
فكي يكون لنا ذلك الآن، وليس غدًا قبل أن يفوتنا القطار الأخير، فما هو علاجنا؟
مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: رافد البَرَّاق

