اكتئاب الحمل: وحش يهدد بهجة الأمومة

صحة وطب
اكتئاب الحمل: وحش يهدد بهجة الأمومة

لطالما ارتبطت الأمومة بالسعادة والبهجة، فهي الفطرة البيولوجية التي تُجسد استمرارية الحياة وتمنح المرأة شعورًا بالرضا والكمال الأنثوي. لكن ما قد يثير الدهشة هو أن هذه الرحلة الفريدة قد تحمل في طياتها وحشًا صامتًا يُدعى “اكتئاب الحمل” أو “اكتئاب ما بعد الولادة”، يهاجم روح الأم ويُكدر صفو هذه المرحلة المقدسة.

الاكتئاب: مرض لا يفرق بين الروح والجسد

قبل الخوض في تفاصيل اكتئاب الحمل، يجب أن نُدرك أن الاكتئاب ليس مجرد مرض نفسي أو عقلي يُصيب العقل والروح، بل هو مرض جسدي أيضًا يُنهك الجسد ويُعطّل خلاياه. إنه أشبه بالحيوان المفترس الذي لا يكتفي بمهاجمة النفس، بل يمتد تأثيره ليُصيب كل وظائف الجسم، مُسببًا الألم والتعب والضيق، ويُطفئ نور الحياة في قلب الإنسان.

الحمل والأمومة: هل يمكن أن يُسببا الحزن؟

يتساءل الكثيرون: كيف يمكن للحمل والولادة، وهما مصدر السعادة والاطمئنان، أن يُسببا مرضًا نفسيًا؟ الحقيقة أن العلم لا يزال عاجزًا عن تقديم تفسير دقيق لهذه الظاهرة. فالسبب وراء هذه الاضطرابات التي تُصيب المرأة أثناء حملها وبعد ولادتها لا يزال “مجهول السبب” (Idiopathic).

مع ذلك، يُعتقد أن هذه الاضطرابات تحدث نتيجة اختلال فسيولوجي في التوازن الكيميائي والهرموني داخل جسم المرأة أثناء تكوين كائن بشري جديد. هذا الاهتمام بالأمراض النفسية والعقلية المرتبطة بالحمل ليس بجديد، بل يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، مما يُوحي بأن نساءً كثيرات عبر التاريخ عانين من هذه الحالة.

رحلة البحث عن التفسير: من أبقراط إلى العلم الحديث

على مر العصور، حاول العديد من العلماء والفلاسفة تفسير هذه الأمراض. ففي العصور القديمة، وصف أبو الطب “أبقراط” هذه الحالات وأرجعها لأسباب عضوية، متصورًا أن حليب الأم قد غير مساره إلى المخ. وفي العصور الوسطى، سادت خرافات الشياطين والأرواح الشريرة كتفسير لكل آلام البشرية.

وفي القرن التاسع عشر، جاء أول تفسير علمي دقيق لاضطرابات الحمل والولادة على يد الطبيبين الفرنسيين “مارتسي” و”إسكيرول”، اللذين وصفا هذه الحالات بأنها اضطرابات عقلية ونفسية تحدث للمرأة في اليوم الخامس بعد الولادة، وتتميز بتشوش الوعي واضطرابات الوجدان.

الأبعاد الثلاثة لاكتئاب الحمل: بيولوجية، نفسية، اجتماعية

لا تقتصر معاناة الحمل والولادة على الجانب البيولوجي فقط، بل تمتد لتشمل أبعادًا نفسية واجتماعية عميقة. ويمكن تلخيص الأسباب التي تؤدي إلى الاضطرابات النفسية والعقلية للمرأة في رحلتها مع الحمل والولادة في ثلاثة محاور رئيسية:

1. الأسباب البيولوجية:

يُعد الحمل عملية تخليق إنسان جديد، مما يُؤثر على كل أجهزة جسم المرأة ووظائفها العقلية. الجنين المتكون داخل جسد الأم يأخذ من دمها وأكسجينها ومعادنها وفيتاميناتها، وهي عملية تسخير كاملة لإمكانات جسد الأم. تتسبب هذه العملية في تغيرات فسيولوجية تتمثل في إجهاد الأم وتغيرات في شكلها ووزنها وقدرتها على الحركة والتركيز.

في بداية الحمل، قد يقاوم جسد الأم “الغزو” الجديد من خلال أعراض مثل القيء والغثيان والدوار وهبوط ضغط الدم وفقدان الشهية. ومع مرور الوقت، يستسلم الجسد لهذا التغير، ويستمر معه في رحلة تمتد لتسعة أشهر.

2. الأسباب النفسية:

الحمل إجهاد نفسي وجسدي، وقد تكون المرأة الحامل لديها استعداد مسبق للإصابة بالأمراض النفسية. فالحمل قد يُفجر هذه الاستعدادات، لتُصاب المرأة بالاكتئاب الشديد أو القلق الحاد، وقد تعود إليها وساوس ومخاوف قديمة.

كما تلعب عوامل نفسية أخرى دورًا، مثل علاقة الحامل بأمها وبذاتها وبزوجها. فالعلاقة المضطربة مع الأم قد تنعكس سلبًا على علاقة الحامل بطفلها، خاصة إذا كانت الأم قد حُرمت من الحنان والرعاية في طفولتها. وكذلك، تُؤثر صورة المرأة عن ذاتها على حملها وولادتها، فالمرأة التي عانت من اضطرابات في هويتها الأنثوية تكون أكثر عرضة للاكتئاب.

لا يمكن إغفال دور الزوج وعلاقته بالمرأة الحامل. فمشاعر المرأة تجاه زوجها تُمثل مشاعرها تجاه ذاتها ووليدها. وإذا كان الحمل غير مرغوب فيه نتيجة لعلاقة متوترة مع الزوج، فقد يُصيبها ذلك باكتئاب الحمل والولادة.

3. الأسباب الاجتماعية:

تُرتبط هذه العوامل بالحالة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية للمرأة. فقد يكون الحمل مرفوضًا بسبب إعاقة الدراسة أو العمل، أو لسوء الحالة الاقتصادية والمعيشية، أو لوجود عدد كافٍ من الأطفال، أو لمشاكل زوجية تُهدد العلاقة. كل هذه العوامل تُؤدي إلى رفض شعوري أو لا شعوري للحمل، وبالتالي الإصابة باكتئاب الحمل.

أعراض اكتئاب الحمل وذهان الولادة: علامات لا يجب تجاهلها

قد يحدث اكتئاب الحمل في أي وقت خلال فترة الحمل أو بعد الولادة، وحتى في الأشهر الثلاثة الأولى أو الأخيرة من الحمل. هناك نوعان رئيسيان من الاضطرابات النفسية والعقلية التي يمكن أن تُصيب المرأة في هذه الفترة:

1. اكتئاب الحمل (Pregnancy depression):

تبدأ أعراضه بتقلبات مزاجية حادة مع بعض العصبية وتغيرات طفيفة في الشخصية، إلى جانب اضطرابات النوم والأرق وضعف التركيز. يتطور الاكتئاب ليشمل شعورًا بالفتور العام، والميل إلى العزلة، والتبلد الشعوري تجاه النشاطات اليومية، ثم الحزن وسرعة التأثر والبكاء تجاه الأحداث البسيطة.

في مراحل متقدمة، قد تشعر المرأة باليأس، وتأنيب الضمير، والرغبة في التخلص من الحياة، بل وحتى من حياة وليدها، ليس كرهًا فيه، بل حبًا ورغبة في إنقاذه من حياة صعبة. قد تُعاني أيضًا من القلق الحاد بكل ما يحمله من مخاوف وعسر هضم وتسارع نبضات القلب والأرق.

في بعض الحالات، قد تُصيبها وساوس قهرية، مثل التفكير في إنجاب طفل مشوه، أو الخوف من اختلاط طفلها بآخرين في المستشفى. تُعد الوساوس خطيرة، خاصة إذا كانت المرأة قد عانت من مرض نفسي أو عقلي قبل الزواج، مما يزيد من احتمالية عودة الحالة.

تشير الدراسات إلى أن واحدة من كل خمس سيدات حوامل تُعاني نفسيًا أثناء فترة حملها، بينما تُشير دراسات أخرى إلى أن 5% فقط يُصبن بالمرض.

2. ذهان الولادة (Puerperal psychosis):

يُعد هذا النوع مزيجًا بين أعراض الفصام والاكتئاب. تبدأ الأعراض بالبكاء بدون سبب أو لأتفه الأسباب، وشعور بانعدام الروح، وتجمد عاطفي تجاه الوليد. قد تُصاحبها أفكار اندفاعية بالقضاء على الطفل، ليس كرهًا فيه، بل حبًا ورغبة في تخليصه من العذاب، مما يُسبب معاناة شديدة للأم.

قد تُفكر الأم بالموت كوسيلة للراحة من عذاب الحياة، وليس الانتحار. كما قد تُداهمها أفكار غير منطقية، مثل الاعتقاد بأن هذا الطفل ليس طفلها، أو أنه يُعاني من تشوهات خطيرة.

تتدهور الحالة الصحية للمرأة بشكل كبير مع هذه الأعراض، مما يستدعي اهتمامًا ورعاية مكثفة لها ولطفلها من قبل الأسرة والزوج والأطباء.

التشخيص والعلاج: مفتاح التعافي

التشخيص:

يُعد التشخيص المبكر الوقاية الفعالة من الإصابة باكتئاب الحمل وما بعد الولادة. يجب أن يُدرك الجميع أهمية ذلك، بدءًا من الطبيب المُعالج أثناء الحمل وبعد الولادة، وصولًا إلى الأسرة والزوج. تفهم قلق المرأة وخوفها وبعض تصرفاتها السلبية تجاه الزوج، خاصة إذا عانت من فقدان الرغبة الجنسية، يُعد أمرًا بالغ الأهمية لتجنب اضطراب العلاقة الزوجية.

التعاون بين أفراد الأسرة والزوج والأطباء، مع معرفة واسعة بالصحة النفسية، يُساعد في التخفيف والوقاية من المعاناة والإصابة باكتئاب الحمل وما بعد الولادة، ووضع خطة علاجية مناسبة.

العلاج:

ينقسم علاج النساء المصابات باكتئاب الحمل إلى نوعين:

  العلاج الدوائي

يُستخدم فيه العقاقير مثل مضادات الاكتئاب ومضادات الفصام، أو كلاهما. لا يُفضل صرف هذه الأدوية في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل لتجنب تشوهات الجنين، ولكن بعد ذلك يمكن صرفها. تُعد الصدمات الكهربائية آمنة وفعالة في أي فترة من فترات الحمل.

  العلاج النفسي الداعم (Psychotherapy Supportive)

يقوم به أفراد الأسرة، الأم، والزوج من خلال طمأنة المرأة بأن المرض سينتهي، وتشجيعها على التعبير عن مشاعرها السلبية بحرية تامة، والاستماع إليها دون لوم أو عتاب. الحب الحقيقي يكمن في فهم ما يعانيه الآخر، والشعور بالأمان عند التحدث عن المشاكل.

بالإضافة إلى ذلك، يجب الاهتمام بالصحة العضوية للمرأة، وتوفير التغذية الجيدة، والنوم الكافي، والفيتامينات. وفي حالات اكتئاب ما بعد الولادة، يُفضل عدم إرضاع الطفل أثناء استخدام الأدوية، وإن كان ذلك ضروريًا، فليس هناك مشكلة في تسرب مضادات الاكتئاب إلى حليب الأم.

قد يكون الإجهاض أحد الطرق العلاجية في الحالات الشديدة التي تُهدد السلامة العقلية للمرأة. إذا كانت المرأة قد عانت من اكتئاب الحمل من قبل، فيجب أن تمتنع عن الحمل لمدة عامين على الأقل لتجنب تكرار الإصابة. في بعض الأحيان، قد ينصح الطبيب النفسي بإجراء عملية تعقيم (Sterilization) للمرأة، خاصة إذا تعرضت لذهان الولادة أكثر من مرة، حيث أن إصابة أخرى قد تترك آثارًا لمرض عقلي دائم.

سيكولوجية المرأة: لغز عميق

تُعد سيكولوجية المرأة بتكوينها الجسدي والنفسي من أصعب المواضيع التي دُرست وتُدرس، لغموض مزاجها وتنوع مشاعرها وتناقض وجدانها. إنها الكائن الناعم الجميل الرقيق الذي ينجذب إليه كل شيء في الحياة. والغريب أن الأمراض أيضًا تنجذب إلى رقتها وأنثوثتها، وقد فاز الاكتئاب بارتباطه المستمر بها، فهو يسكن قلبها دون إذن منها ويُصاحبها في كل مراحل حياتها.

يُرافق الاكتئاب المرأة منذ طفولتها في مجتمع ذكوري، ومنذ بداية بلوغها وظهور الطمث، وخلال فترة المراهقة. وعندما تحلم بالحب والزواج، يقف بجوارها عند شعورها بالخوف من تداعيات الزواج. ومع كل تجاوز لمخاوفها وتقبلها للاكتئاب كصديق دائم، تأتي أحلام الأمومة. وعندما تشعر بسعادة الحمل والولادة، تجد الاكتئاب يقف بجانبها مرة أخرى.

حتى عند دخولها سن الأربعين، وهي فترة الذروة الرومانسية وجمال الأنوثة، قد تشعر بالاكتئاب عند خداعها بأنها مصابة بسن اليأس، ثم تشعر به أثناء تفكيرها بالموت.

الحياة تستمر: استثناءات السعادة

مع كل هذا، لا يخلو العالم والكون من النساء السعيدات بحملهن، المُستبشرات بمواليدهن، والمطمئنات بحياتهن الزوجية والأسرية والاجتماعية والذاتية. فلكل قاعدة استثناء، واكتئاب الحمل والولادة هو استثناء لظاهرة الحمل والولادة الجميلة لكل النساء والنسل البشري.

فسبحان من جعل الأحزان تخرج من عمق الأفراح، وجعل الأفراح تنبع من الأحزان في المرأة الحامل والإنسان بوجه عام. تتصالح الأفراح مع الأحزان، وتداعب الضحكات دمعة ثكلى.

هل يمكن أن نُدرك أن الاكتئاب ليس نهاية المطاف، بل هو تحدٍ يمكن التغلب عليه بالحب والدعم والفهم؟

مقال طب نفسي خاص لـ حدث نيوز بقلم: د. عبدالناصر الهزمي