مهند عاطف: بطلٌ نزف صمتًا وخذله الجميع

من أمام بوابة مبنى محافظة تعز، وقف جسدٌ بالكاد يحمل نفسه. إنه جريحٌ يصارع البرد والخذلان قبل أن يصارع الجراح، يحمل اسمه وتاريخه وبطولته في قلبه، ويجرّ خلفه ثلاث سنوات من الألم والتجاهل والنسيان.
هذا هو الجريح مهند عاطف، أحد أبطال الجبهات الذين قاتلوا في صفوف القوات الحكومية دفاعًا عن الجمهورية والكرامة. أصيب بجروح بليغة أثناء أدائه واجبه الوطني، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من الوجع المستمر، ليس فقط بسبب الإصابة، بل بسبب التجاهل الكامل من قبل الجهات المسؤولة، وعلى رأسها اللجنة الطبية في محور تعز.
ثلاث سنوات بلا علاج، بلا اهتمام، بلا راتب منتظم، ولا موقف رسمي جاد. ثلاث سنوات ظل فيها مهند ينتظر أن تمتد إليه يد الدولة التي ضحّى من أجلها، لكنه لم يجد إلا الأبواب المغلقة، والصمت القاتل، والتنصل المعيب من أبسط مسؤولية أخلاقية وإنسانية.
لماذا يُترك الجرحى للموت البطيء؟
المفارقة القاسية أن الجريح مهند لم يتم حتى تسفيره للعلاج في الخارج، رغم وضعه الصحي الصعب، ورغم عشرات الملفات التي تم التعامل معها قبله وبعده. وهذا يتناقض مع أولويات أي دولة حقيقية، التي تبدأ دائمًا من حيث ينتهي صوت الجبهة.
في تعز، كما في غيرها، يعاني مئات الجرحى، لكن حالة مهند عاطف بالذات تحوّلت إلى رمز مؤلم للتجاهل الرسمي الذي يطال أبطال الجبهات بعد انتهاء دورهم في الميدان.
مشهد مهند وهو يجلس على الأرض، بجسده النحيل المنهك، أمام بوابة مبنى محافظة تعز، لا يحتاج إلى تعليق صحفي أو توصيف أدبي. الصورة وحدها كافية لفضح كمّ الجحود والانحدار الذي وصلنا إليه.
أي كرامة تبقّت في بلد لا يعالج جرحاه؟ أي مسؤول يستطيع أن ينظر في وجه هذا الجريح ويستمر في عمله دون أن تهتز إنسانيته؟ كيف لنا أن نتحدث عن النصر أو الجمهورية، ونحن نخذل من حموا رايتها بأجسادهم؟!
الكرسي لا يصنع الكرامة
كثيرون جلسوا على الكراسي، تقلّدوا المناصب، ورفعوا شعارات النضال والوفاء، لكنهم نسوا – أو تناسوا – أن بقاءهم في مواقعهم ما كان ليحدث لولا تضحيات رجال مثل مهند.
المناصب لا تمنح أصحابها شرفًا، بل الشرف يصنعه الموقف، والوفاء، والنزاهة، واحترام التضحيات.
مهند لا يطلب منحة ولا هبة، بل يطالب بحقه المشروع كجندي أُصيب وهو يؤدي واجبه في الجبهة، وتحمّل من الألم ما لا تتحمّله الجبال. لكن الدولة، بل حتى أبسط ممثليها، لم يتعاملوا مع ملفه إلا بمزيجٍ من التجاهل والبيروقراطية المذلة، وكأن هذا الجريح لا ينتمي لهذا الوطن، أو كأن جراحه غير كافية لتستحق العلاج.
هل أصبح الجرحى عبئًا بعد أن انتهت الحرب في تعز؟
هذا السؤال يجب أن يُوجّه لكل من ينام ليلًا في تعز على وسادة مرتبة، ويتحدث عن الوطن في المؤتمرات، ويصوّر نفسه أمام الإعلام وهو يضع أكاليل الزهور على قبور الشهداء.
لأن الجرحى الذين ما زالوا على قيد الحياة، مثل مهند، لا يحتاجون خطبًا رنانة، بل دعمًا حقيقيًا، وتحركًا عاجلًا، وكرامة تُصان.
إذا كانت تعز لا تستطيع أن توفّر العلاج لجريح أصيب في جبهاتها، فماذا تبقّى من الشرعية؟ وإذا كانت اللجان الطبية لا تستشعر مسؤوليتها تجاه من سقط مدافعًا عن الجمهورية، فلماذا وُجدت أصلًا؟
رسالة إلى من تبقّى في قلبه ذرة ضمير
من واجبنا كصحفيين، وكأبناء هذا البلد المنكوب، أن نرفع الصوت عاليًا: الوفاء للجرحى ليس خيارًا… بل واجب.
ومهند عاطف اليوم لا يمثّل نفسه فقط، بل يمثّل كل جريح تُرك خلفه، وكل من عاد من الجبهة على كرسي متحرك، أو على قدم واحدة، ولم يجد من يتكفّل حتى بعلاجه.
إذا لم تقف الدولة بكل مؤسساتها مع الجريح مهند الآن، فلن يثق بها أي جندي غدًا. وإذا استمر هذا التخاذل، فستتحول تضحيات الجبهات إلى مأساة جديدة، وقصة خذلان وطني شنيع.
الكرامة لا تُهدى… الكرامة تُصان.
وللذين يتشدّقون بالبطولات من خلف مكاتبهم، نقول: الكرامة ليست في الكرسي ولا في الرتبة، الكرامة في الوفاء لمن قدّموا أرواحهم وأجسادهم فداءً للوطن.
فهل من مُجيب؟!
مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: عرفات الشهاري

