بين غزة ومادليّن.. نامت جيوش!

يا لَخيبة المليارات من المسلمين في أمة ادَّعت العزة يومًا! ويا لَخيبة الحكام والقادة الذين يتقنون الخطابة ولا يجيدون الفعل! ويا لَخيبة الجيوش التي لا تُرى إلا في عروض ذكرى الاستقلال! ويا لَخيبة الأسلحة المكدسة في المستودعات تحت أقفال أمريكية! ويا لَخيبة الطائرات التي تزأر في السماء لكنها لا تعرف طريق القدس! ويا لَخيبة الصواريخ والمدافع الصماء التي أصمتها صرخات الأطفال تحت ركام بيوتهم في غزة!
يا لَخيبة الجنود الذين لا يعرفون من الميدان إلا اسمه، والمقاتلين الذين لا يظهرون إلا في فيديوهات الاستعراض، والمرابطين خلف الشاشات، والجيوش الكاملة الغارقة في سبات عميق! جيوش عربية بالهوية، لكنها صامتة بالفعل، عاجزة عن الانتصار، مشلولة الإرادة.
رجال الدين.. خيبةٌ أخرى
يا لَخيبة مشايخ الدورات وفقهاء الحيض والنفاس، على منابر لا تتجاوز “أختاه.. زوجك جنتك أو نارك!”. ويا لَخيبة الخطباء الذين لا يرون من الدين إلا طاعة الحاكم، ولا يذكرون الجهاد إلا في كتب التفسير، ولا يعرفون نصرة المسلم إلا إذا كان من قريتهم أو مذهبهم.
يا لَخسارتنا على رجال دين ظننا بهم خيرًا، فإذا بهم يبيعون القرآن والسنة بدراهم معدودة، يلتفون على النصوص ويُسقطون فريضة الجهاد بحجج الاستضعاف. لا يُحرّكهم بكاء طفل ولا صراخ أم ولا دم شهيد، كأن غزة خارج حساباتهم، كأنها ليست من ديار المسلمين.
الخيبة الكبرى.. من تحرك لغزة!
لكن الخيبة الكبرى أن من تحرك لغزة لم يكونوا من هذه الأمة! اثنا عشر شخصًا فقط، لا تجمعهم بنا لغة ولا دين، أبحروا من آخر الأرض يحملون ما تيسر من غذاء ودواء وإنسانية. قالوا: “نحن معكم”، بينما صمتت المليارات، ونامت الجيوش، وغرقت الضمائر في وحل السياسة.
أين الحكام العرب؟
بل أين كانوا حين سُحقت غزة تحت نيران الاحتلال؟ أين كانوا عندما قصفت المدارس والمستشفيات والمخابز والمساجد؟ كان بعضهم مشغولًا بتشويه غزة، وبعضهم الآخر يفاوض على حصارها، وغيرهم يتعاون استخباراتيًا وعسكريًا لإخماد كل صوت ينوي نصرتها.
بعضهم لم يكتفِ بالصمت، بل ساهم في خنقها؛ أغلقوا المعابر، شددوا الحصار، ومنعوا الإمدادات. ثم وقفوا أمام الكاميرات يتحدثون عن السلام، بينما دماء الأطفال تُغسل أرصفة غزة.
هؤلاء الحكام هم ذاتهم من يأمرون أجهزتهم بقمع كل من تسوّل له نفسه التظاهر نصرةً لغزة؛ يقمعون من يهتف ومن يسير ومن يتجه إلى السفارات. يخافون من نبض شعوبهم أكثر من أي شيء آخر.
جيوشهم.. لقتل العرب لا لحمايتهم
جيوشهم؟ لم تُبنَ لتحمي شعوبهم ولا من أجل فلسطين، بل لقتل العرب. لم تُحرّك دبابة واحدة نحو حدود فلسطين المحتلة، لكنها اجتاحت شوارع الشعوب، دهست المتظاهرين، وفتحت النار على صدور الأحلام.
والأدهى والأمر أن تلك الجيوش ذاتها هي التي اقتحمت رفح المصرية بأمر سياسي علني، ورفعت الحواجز لا لتُدخل المساعدات بل لتغلق الطريق في وجه من يحاول أن يُنقذ غزة! جيوش مسلحة نعم، لكن للاستخدام الداخلي فقط. ولغة السلاح محفوظة للمسلمين ضد بعضهم، لا تُرفع إلا عندنا، لا هناك.
أصبح الحاكم العربي المساهم الأول في تجويع غزة والتضييق عليها وشيطنة مقاومتها، يعتلي المنصات ويذرف الدموع الزائفة. بعضهم وصف أهل غزة بـ “العملاء” فقط لأنهم لم يرضخوا، لأنهم صمدوا، لأنهم قاوموا رغم أنف الجميع.
فيا خيبتنا الكبرى أن يصبح الغرب “أهل الكفر” كما نُسميهم أقرب إلى الحق منا، أن يتحركوا من منطلق إنساني بينما نحن ندفن إنسانيتنا في بيانات الشجب والاستنكار، وننتظر سفينةً من أقصى الأرض علّها تُعيد إلينا ما فقدناه من كرامة.
نحن من نملك الحناجر ولا نرفعها، نملك السلاح ولا نستخدمه، نملك الدين ولا نحمل روحه. صامتون ننتظر، نبكي ونعيش على أنقاض الخيبات.
مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: نعمة الخطابي

