من القرابين البشرية إلى الكباش: رحلة الأضحية المذهلة عبر العصور

راي
من القرابين البشرية إلى الكباش: رحلة الأضحية المذهلة عبر العصور

تُعد طقوس تقديم القرابين، التي نعرفها اليوم باسم الأضحية، ظاهرة أعمق وأقدم بكثير مما قد نتخيله. لا تقتصر هذه الممارسة على ديانة واحدة، بل يعود تاريخها الموثق إلى ما قبل 30 ألف عام قبل الميلاد، لتُظهر بذلك جذورًا عميقة في تاريخ البشرية جمعاء.

جذور الخوف والتضرع في عصور ما قبل التاريخ

في عصور ما قبل التاريخ، واجه الإنسان البدائي ظواهر طبيعية غامضة ومخيفة. كان الخوف من المجهول دافعًا لتقديم القرابين. لم يكن يدرك كنه هذه الظواهر أو أسبابها، ولأن “الإنسان عدو ما يجهل”، فقد لجأ إلى التضرع للآلهة المجهولة طلبًا للخلاص من الكوارث وحماية نفسه.

تكشف الاكتشافات الأثرية في إيطاليا والعديد من بقاع العالم عن ممارسات صادمة من تلك الحقبة. ففي قبور تعود لتلك الفترة، وجد العلماء رفات لرجال ونساء مدفونين مع ممتلكاتهم وحليهم، وإلى جانبهم حيوانات مقطعة. الأدهى من ذلك، كانت هناك ممارسات لدفن الملوك وإلى جانبهم زوجاتهم وخدمهم وجواريهم أحياءً، كقربان للآلهة لترأف بالملك! ورغم أن هذه الممارسات تحولت لاحقًا إلى مجرد تشريف رمزي للملك، إلا أن بعض القبائل البدائية في آسيا (مثل الصين والفلبين وماليزيا) لا تزال، وبطريقة سرية، تدفن الزوجة حية إلى جانب زوجها.

نقش اثري للأضحية القديمة
نقش اثري للأضحية القديمة

لم تقتصر القرابين على البشر المدفونين فحسب. فبعض القبائل كانت تقدم فتاتين عذراوين كقربان للآلهة، حيث يتم حرقهما وتغطية أجساد المحاربين برمادهما؛ لتعزيز قوتهم، وكتعويذة وحرز للنصر في المعارك. ومن أكثر أنواع القرابين غرابة، كان تقديم الأطفال المصابين بالبهاق، لاعتقاد الإنسان البدائي بأنهم تجسيد للآلهة، وأن أكل لحومهم يمنح القوة والعمر الطويل والصحة.

من الدببة إلى الكباش: تطور مفهوم الأضحية

لم تكن التضحيات تقتصر على البشر فقط. ففي بعض القبائل، كان يتم تقديس الدببة. يقومون باصطياد دب صغير دون قتله، ثم يربونّه لسن معين، وبعدها “يحررونه من جسده” بقتله، أي يعتقدون أنهم يحررون الإله الذي يؤمنون أنه حبيس جسد الدب. ومن ثم يقطعون الرأس ويضعونه على رمح مع الجلد ويعبدونه.

مع مرور العصور، تطورت أشكال الأضحية ومفاهيمها. ففي حضارة ما بين النهرين، كانت التضحيات أقرب لما نعرفه اليوم في الديانات السماوية: التضحية بالكباش أو الخراف. وكان يُعتقد أن ذبح الأضحية ومسح الدماء على الجدران، وتوزيع اللحوم على الفقراء، يمحو الذنوب والآثام.

جذور عميقة لمفهوم متوارث

تُظهر هذه الجولة التاريخية أن للأضحية أصلًا وثنيًا قديمًا جدًا. فقد كانت التضحيات تُقدم لدفع الشر أو للشكر. على سبيل المثال، كان الفراعنة يرمون العذراوات في النيل كلما خافوا جفافه. وشهدت حضارتا المايا وبابل ممارسات مماثلة.

ختامًا يوضح هذا الاستعراض أن الأضحية ليست مجرد طقس ديني معاصر، بل هي جزء من نسيج عميق وغني من الممارسات البشرية التي تطورت عبر آلاف السنين، تعكس خوف الإنسان من المجهول، ورغبته في التضرع والشكر، وتوقه لدفع الشر وجلب الخير.

المصادر:

* تأريخ الأديان للدكتور خزعل الماجدي

* مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة للدكتور والمؤرخ وعالم الآثار العراقي طه باقر

مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: لؤي العزعزي