الاغتراب داخل الوطن: شعور العجز في مجتمع متغيّر

في زحمة المدن التي تشبه أعشاش الطير المهجورة، حيث تتجاور البيوت وتتنافر القلوب، ويعلو الضجيج بينما تصمت الأرواح، ينشأ شعور خفي لا تراه العين ولا تلمسه اليد. ليس حزنًا محضًا، ولا ضيقًا عابرًا، بل اغتراب مركب يتسرب كالماء البارد في مفاصل الروح، ويعشش هناك: الاغتراب داخل الوطن.
فأي جرح هذا الذي يجعل المرء يشعر بالغربة بين أهله، بالوحشة في شوارع نشأ فيها، وباللاجدوى في مجتمع يعرفه ولا يعترف به؟! وكيف يتوالد هذا الإحساس المرير بـالعجز، حين تتغير القيم من حوله، وتتحول الأوطان إلى صور على الجدران، وأغانٍ تُذاع في مناسبات رسمية، بينما الحقيقة تضيق وتتآكل؟
المجتمع المتغير: حين يعاد تعريف القيم
لم يعد الإنسان يقاس بما يحمل من علم أو خلق، بل بما يملك من مال أو سلطة. تغيرت مقاييس الاحترام، وتحولت ملامح الهوية، حتى صار من يتكئ على مبادئه كمن يسير عكس التيار، يضرب بالحجارة تارة، ويتهم بالغباء تارة أخرى.
في مجتمع يروج لـ النفاق كفضيلة اجتماعية، ويكافئ التملق باسم “المرونة”، تصبح الفضيلة عبئًا، والنزاهة سذاجة، والحق رفاهية لا يملكها إلا الجاهلون بالواقع. وكلما حاول الإنسان أن يمسك بجذور أصالته، وجد أنها تنكمش وتذبل أمام موجات التغير المتسارع.
من ذا الذي سرق يقيننا؟
من الذي جعلنا نشك في قيمة أن نكون كما نحن؟
الاغتراب الصامت: حين تغدو البيوت نزلًا لا مأوى للروح
في زوايا البيوت، يختبئ الألم. الآباء الذين قضوا أعمارهم في الحلم بوطن أفضل، صاروا غرباء في منازلهم، لا يتقنون لغة أبنائهم الجديدة، ولا يفقهون ما تعنيه “الموضة” و”الترند” و”النجاح السريع”.
والأبناء، على ضيق سنوات أعمارهم، يشعرون أنهم محاصرون بماضٍ لا يعرفونه، وواقع لا يملكون تغييره، ومستقبل ضبابي لا يبشر بشيء سوى مزيد من الهروب إلى الداخل.
حتى الأحاديث العائلية التي كانت ذات مساءات حميمية، تحولت إلى جمل مقتضبة، مجتزأة من فضاء الهواتف المحمولة، ومليئة بالانشغال والتشتت.
إنه ليس فقط اغترابًا عن الناس، بل اغتراب عن الذات. شعور يشبه أن تفتح نافذة بيتك، فتجد المدينة وقد أصبحت مدينة أخرى، لا تشبهها إلا في الاسم.
العجز الإنساني في وجه العبث
إن أعظم ما يفجر في الإنسان هذا الشعور العميق بالغربة، هو العجز. العجز عن تغيير الفساد، عن إيقاف الكذب، عن حماية الحلم من السخرية، عن الصراخ في وجه المنظومة التي تكافئ الخطأ، وتعاقب الصواب.
في هذا الوطن الذي نحبه رغم ما يوجعنا، كثير من الناس باتوا يعيشون بلا شعور بـالانتماء الحقيقي، لا لأنهم خونة أو سلبيون، بل لأن الحلم الذي آمنوا به قد تبدد على أعتاب المصالح الشخصية، والتحزبات الصغيرة، والطموحات قصيرة النظر.
إنه شعور يشبه أن تكون واقفًا في حفلة صاخبة، الكل يضحك ويرقص، وأنت تصمت، لا لأنك حزين، بل لأنك لا تسمع الموسيقى التي يسمعونها.
وهم العودة… وغربة الداخل أعمق من غربة المهاجر
كثيرون يظنون أن الغربة في الخارج هي الأشد، وأن من غادر وطنه هو الأكثر ألمًا، لكن الحقيقة أن غربة الداخل أقسى. هي لا تمنحك شرف الحنين، ولا سعة الاشتياق، بل تحاصرك بإحساس أنك غير مرئي، كأنك تمشي وسط الناس بملامح مطموسة، لا تشبههم، ولا يشبهونك.
هذا الإنسان الذي فقد دوره، وأقصي عن المشاركة، وتحول من فاعل إلى مفعول به في وطنه، يتعرض لأبشع أنواع الإلغاء: الإلغاء الوجودي، حيث لا يسألك أحد عن رأيك، ولا ينتظر منك شيئًا، وكأنك زائد على المشهد، لا ضرورة لوجودك، ولا نفع من صوتك.
الصحافة والحديث عن المسكوت عنه
في هذا السياق المعقد، يكون دور الصحافة والأقلام الحرة أعظم من مجرد رصد الحدث أو وصف الظواهر. إنها مطالبة بـكسر الصمت، بإضاءة العتمة، بإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان، بتوثيق هذه المشاعر التي لا تجد متسعًا على شاشات الأخبار.
فشعور الاغتراب هذا ليس مرضًا فرديًا، بل عرض لمرض اجتماعي أعمق: انهيار العقد الاجتماعي، تفكك معنى الجماعة، وغياب الحوار، وتآكل فكرة “الوطن الواحد”.
وما لم تُشرع نوافذ الحديث الجاد، والنقد البناء، والحوار المفتوح، فسيظل هذا الاغتراب يتضخم، حتى ينجب أشكالًا أكثر عنفًا: من الانطواء الفردي إلى الانتحار الرمزي، ومن الهجرة إلى التطرف.
نحو وطن نكون فيه أنفسنا
إن أعمق ما يحتاجه الإنسان، ليس فقط بيتًا أو عملًا، بل بيئة لا يضطر فيها للتنكر لذاته. وطن يسمح له بأن يكون كما هو، أن يخطئ ويسامح، أن يعبر ولا يقصى، أن يسهم لا أن يستخدم.
فلا شيء يوجع أكثر من شعورك أنك مجرد آلة تؤدي ما يطلب منها، دون أن يسألها أحد: ما الذي تريده حقًا؟
ولذلك، فإن إعادة بناء المجتمع ليست فقط مهمة حكومات، بل مسؤولية ثقافية تبدأ من المدرسة، وتمتد إلى الإعلام، وتتجسد في سلوك الأفراد. إنها ثورة على اللاجدوى، على التصنع، على الكذب الاجتماعي الممنهج.
هل من مكان نشبهه؟
في النهاية، يبقى سؤال الاغتراب سؤالًا مفتوحًا في كل مجتمع يرفض الإصغاء لأبنائه. ويبقى الإنسان الحر هو ذلك الذي لا يتخلى عن صوته، مهما ضاقت المساحات، ولا يترك الحلم، مهما تسلطت الوقائع.
فلنعد صياغة السؤال: ليس كيف نهاجر؟
بل: كيف نعود؟
نعود إلى أنفسنا، إلى أصالتنا، إلى قيم نعيشها لا نرفعها كشعارات.
ذلك هو الوطن الحقيقي: أن لا نشعر فيه أننا ضيوف، أو غرباء. أن نكون فيه نحن، لا كما يراد لنا أن نكون.
مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: غدير العقيلي

