طريق “جبل مدار”: شريان حياة جديد يكسر عزلة وصاب السافل

تقرير خاص- حدث نيوز: في قمم الجبال الشاهقة بمديرية وصاب السافل، حيث تنتهي الطرق وتبدأ المعاناة، انتصرت إرادة الناس على قسوة الجغرافيا. في مبادرة مجتمعية وإنسانية فريدة، نجح أهالي قرية “جبل مدار”، الواقعة في عزلة “بني العزب”، في كسر طوق العزلة الذي خنقهم لعقود طويلة. بتمويل كريم من فاعل الخير عبده المدار، أحد أبناء القرية المغتربين، تمكن الأهالي من شق طريق جديد بطول 3 كيلومترات، ليُصبح بمثابة شريان حياة طال انتظاره.

فكرة ولدت من رحم المعاناة
لسنوات طويلة، عاش سكان “جبل مدار” في عزلة شبه تامة. غابت الطرق ووسائل المواصلات، وكانت مستلزمات الحياة تُحمل على ظهور الحمير أو على أكتاف النساء والأطفال، الذين يسلكون ممرات وعرة لساعات لجلب الماء أو نقل المرضى.
في ظل غياب الدولة وانعدام المبادرات التنموية، لم يكن هناك بد من الاعتماد على الذات. اجتمع أبناء القرية في الداخل والخارج، واتفقوا على إطلاق حملة مجتمعية لشق طريق يربطهم بالعالم الخارجي ويُنهي عزلتهم التاريخية.
دعم ذاتي وتمويل فردي.. وغياب رسمي
ما يميز هذا المشروع هو تمويله الكلي من فاعل الخير عبده المدار، الذي تحمل كافة تكاليف المعدات والأجور والنفقات الميدانية، رغم الصعوبات الاقتصادية.
يقول عبده المدار لـ “حدث نيوز”: “لم يكن لدي أكثر من هذا الواجب نحو أهلي وناسي. الطريق ليس هدية، بل دين علينا، وقد آن الأوان لنرده.”
جهود جبارة ومتطوعون من ذهب
لم تكن المهمة سهلة؛ فشق طريق في منطقة جبلية وعرة دون دعم حكومي أو إمكانيات متخصصة يمثل تحديًا حقيقيًا. لكن شباب القرية والقرى المجاورة لم يترددوا، وبدأوا العمل بأدوات بدائية وحماس كبير.
يقول أحد المتطوعين: “اشتغلنا بالأيادي والفؤوس والمعاول، تعبنا كثيرًا، لكن التعب يهون لما نشوف الطريق يمتد أمامنا شبرًا بعد شبر.”

وعلى مدى أشهر، تواصل العمل يومًا بعد يوم، وسط الحجارة والانحدارات، حتى تم فتح الطريق جزئيًا، ويمكن للمركبات أن تسلكه لأول مرة في تاريخ القرية.
“جبل مدار”: قرية منسية تعانق الحلم لأول مرة
تقع قرية جبل مدار في مديرية وصاب السافل، عزلة بني العزب، وتُعد من أكثر قرى وصاب وعورة وبعدًا عن الخدمات، وتُعرف بـ “القرية المعلقة”. لم تعرف طريقًا منذ نشأتها، وبقي أهلها في عزلة خانقة، حُرموا فيها من التعليم والصحة والمياه وحتى الكهرباء.
يقول الحاج طالب المدار (50 عامًا) وعيناه تفيضان بالدموع فرحًا: “شيبنا وإحنا نحلم بطريق. نطلع على ظهورنا الأثقال وننزل زحفًا بأقدامنا. مرضانا يموتون قبل أن نصل بهم لأقرب مركز. اليوم الحمد لله، الطريق صار حقيقة وبقي القليل.”
الطريق اكتمل جزئيًا وينتظر تدخل الدولة

رغم فرحة الأهالي باكتمال المرحلة الأولى من المشروع، إلا أن الحلم ما زال ناقصًا. الطريق بحاجة إلى ردم وتسوية وتوسعة وتأهيل هندسي ليكون صالحًا للاستخدام الدائم، خصوصًا في موسم الأمطار والانهيارات.
من هنا، يرفع أهالي “جبل مدار” صوتهم عبر “حدث نيوز” لمناشدة الدولة ممثلة بوزارة الأشغال العامة والطرق، وسلطة محافظة ذمار، والجهات ذات العلاقة، والمنظمات الدولية، للتدخل واستكمال المشروع وتحقيق الحلم الكبير لأبناء القرية الذين انتظروا هذا اليوم منذ أجيال.
يقول الأهالي: “بذلنا ما نستطيع، فتحنا الطريق، ونطلب من الدولة أن تكمله. تعبنا وحلمنا بما يكفي، نريد أن نعيش بكرامة مثل بقية المواطنين.”
الأثر الإنساني
هذا المشروع سيغير وجه الحياة في “جبل مدار” بشكل جذري. سيصبح بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بأمان، وتُنقل النساء الحوامل إلى المراكز الصحية بوسائل آمنة، وستدخل الخدمات إلى القرية بيسر، بل وتوسعت أحلام الأطفال نحو مستقبل أقل قسوة.
ولأول مرة منذ قرون، شعر أهالي جبل مدار أنهم لم يعودوا منسيين، وأن صوتهم، وإن طال صمته، قد بدأ يُسمع.
طريق “جبل مدار” هي قصة ملهمة تُثبت أن المبادرات المجتمعية قادرة على تحريك الجبال حين تغيب الدولة. لكن الحلم يظل ناقصًا، ما لم تتدخل الجهات الرسمية لاستكمال ما بدأه المواطنون، واحتضان هذا المشروع ليصبح مستدامًا وآمنًا ويخدم أجيالًا قادمة.
تقرير خاص لـ حدث نيوز بقلم: محمد الطياري

