صحوة من جحيم القيظ

راي
صحوة من جحيم القيظ

منذ ساعتين فحسب، استسلمتُ أخيرًا، غرقتُ في غفوةٍ لم تدم طويلًا. كان جسدي يئنّ تحت وطأة التعب، والعقل يرجو هدوءً بسيط. لكن اني لي ذلك! حرارة عدن، التي لا تعرف الرحمة، تلك اللعنة الحارقة التي تضرب المدينة بلا هوادة، رفضت أن تمنحني حتى قسطًا ضئيلًا من السكون. لم تمضِ دقائق معدودة حتى اخترقت لهيبها الجدران، وتسللت إلى أعماق نومي، انتزعتني بعنف من أحلامي الهشة، كأنها يد شيطانية تمسك بي وتجذبني إلى واقع أشد قسوة! كل نفس كنت أستنشقها كانت كافية لإشعال لهيب جديد في صدري، لتؤكد أن الهروب مستحيل!

المروحة، تلك الرفيقة الدائمة بجانب رأسي، التي وعدتني ببعض النسمات، وبعض الهواء قليل البرودة، بدت وكأنها مجرد شاهد عاجز على هذا الجحيم! كان رنين شفراتها يشبه صوت السخرية من بؤسي، فمهما زادت سرعتها، لم تكن سوى تحريك للهواء الساخن الذي كان يلفحني بلا رحمة! بل شعرتُ للحظةٍ أنني بحاجة إلى أن أندمج كليًا معها، أن أتحول إلى جزء من آليتها، لربما أجد في دورتها الدائمة خلاصًا مؤقتًا من هذه الحرارة غير الطبيعية التي تجاوزت كل حدود التحمل. لم يعد الأمر مجرد حرارة، بل أصبح كيانًا مستقلًا يهد مضجعي، وحشًا لاهبًا يتربص بي!

جسدي لم يكن إلا ساحةِ معركة، فقد غزته حبيبات حمراء صغيرة، كأنها جيش من النيران يزحف على جلدي! كل حبة كانت تحمل وخزًا لاذعًا تفشى في ظهري كله! تزيد من معاناتي وتذكرني أن هذا الاحتراق ليس خارجيًا فحسب، بل يتغلغل إلى أعماقي! لهيبٌ طاغٍ يمتلئني، شعور بالحمى يجتاح كل خلية، وكأن دمي قد تحول إلى سائل يغلي!

وفي خضم هذا الاحتراق الداخلي، كان الهواء نفسه قد أصبح ناقصًا، وكأن الأكسجين قد فر من المكان، ليتركني أصارع لأجل كل شهيق! لكأن التنفس ذاته أصبح مهمه شبه مستحيلة!

الصدر يضيق، ضيق كبير يكاد يسحق عظامي، وكل نفس أجاهد نفسي لجرّها كانت تزيد من الإحساس بالضغط الرهيب الذي يطبق على أنفاسي! حرارة لاهبه، وسعير مستعر!

لا أبالغ حين أقول إنني أشعر وكأنني في قلب الجحيم ذاته! ليست مجرد استعارة، أو تشبيه بل حقيقة قاسية أعيشها لحظةٍ بلحظة! كل تفصيلة في هذه اللحظة تصرخ بالجحيم: الحرارة التي تحرق، الهواء الذي يخنق، الجسد الذي يشتعل، والروح التي تئن تحت وطأة كل هذا العذاب!

إنه عذاب لا يطاق، ويوم يبدو أبديًا في قسوته!

أريد فقط أن أنام

لا أكثر!

مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: لؤي العزعزي