هل نعيش في عصرِ الرَّقابةِ النَّاعمة؟ وكيف تتحكَّمُ السُّلطاتُ في حرِّيَّةِ التَّعبيرِ بطُرُقٍ جديدة؟

في زمنٍ تبدو فيه الشَّاشاتُ مشرعةً على مِصراعيها، والمَنصَّاتُ الرَّقميَّةُ مفتوحةً للجميع، يتبادرُ إلى الذِّهنِ سؤالٌ بسيطٌ، لكنَّهُ مُوجِعٌ في جوهرِهِ: هل نحنُ حقًّا أحرار؟ هل ما نكتبُهُ ونقولُهُ ونُؤمنُ به يُقالُ كما هو، أم أنَّ هناك يدًا غيرَ مرئيَّةٍ تُهذِّبُ الكلماتِ، وتُقصي الأصواتِ، وتُعيدُ تشكيلَ المشهدِ من خلفِ السِّتار؟
لقد وَلَّى زمنُ الرَّقابةِ الصَّريحة، زمنُ المِقصِّ الأحمرِ الَّذي كان يُمزِّقُ المقالاتِ، ويَقتطعُ من القصائدِ، ويُصادِرُ الكتبَ أمامَ الملأ. اليومَ، الرَّقابةُ تغيَّرت… لم تَعُدْ تَزْمَجِرُ كالعسكرِ، بل تَمشي على أطرافِ أصابعِها، تَرتدي قفَّازاتٍ حريريَّةً، وتَبتسمُ ابتسامةً ديمقراطيَّةً زائفة. نعم، إنَّنا نعيشُ اليومَ في عصرِ “الرَّقابةِ النَّاعمة”.
رَقابةٌ لا تُرى… لكنَّها تُوجِع
الرَّقابةُ النَّاعمةُ ليست قوانينَ مُعلَنة، بل مَنظومةٌ من التَّخويفِ، والتَّهميشِ، والعِقابِ غيرِ المُباشر. تُمارَسُ أحيانًا عبرَ قوَّةِ الصَّمت، حيث يُغْرَقُ صوتُك في بحرٍ من التَّعتيمِ، فلا يَسمعُهُ أحدٌ، حتَّى تَظنَّ أنَّك لا تقولُ شيئًا. وتُمارَسُ أحيانًا أُخرى عبرَ التَّوظيفِ الذَّكيِّ للخوارزميَّاتِ، فتُخفَّضُ من وصولِ محتواكَ، أو يُصنَّفُ على أنَّه “يُخالفُ معاييرَ المجتمع”، دون أن يُقالَ لك بوضوحٍ: “أنتَ ممنوعٌ”.
في العالمِ العربيِّ على وجهِ الخصوص، ظهرت أشكالٌ جديدةٌ من هذه الرَّقابةِ، أخطرُها: الرَّقابةُ الذَّاتيَّة. حينَ يدفعُكَ الخوفُ لأن تُراجعَ كلماتِكَ مرارًا، لا لتتحقَّقَ من صحَّتِها، بل لتُخفي ما قد يُغضبُ جهةً ما، أو يُفهَمَ تأويلًا لا تُريده. هذا الشَّكلُ من الرَّقابةِ هو الأكثرُ خنقًا، لأنَّه لا يُمارَسُ عليكَ من الخارج، بل ينبعُ من داخلك، حتَّى تَغدو أنتَ سجَّانَ أفكارِكَ.
من أدواتِ الدَّولة… إلى أدواتِ المجتمع
ليست السُّلطاتُ السِّياسيَّةُ وحدها من يُمارسُ الرَّقابةَ النَّاعمة، ففي عصرِ الرَّقمنةِ، أصبحتِ المجتمعاتُ نفسُها جزءًا من آلةِ القمع. يَكفي أن تَكتبَ رأيًا يخرجُ عن السائد، حتَّى تُهاجَم، ويُسحَبَ من تحتِكَ بساطُ الأمانِ الرَّقميِّ. يتحوَّلُ القارئُ إلى خَصم، والمتابعُ إلى حارِس، وتَنتشرُ “ثقافةُ الإلغاء” الَّتي تُدينُ لا الفكرة، بل قائلَها، وتُطالِبُ بإسكاتِ كلِّ صوتٍ لا يُرضي غُرورها الجماعيَّ.
كما أنَّ وسائلَ الإعلامِ لم تَعُدْ مِنبَرًا حرًّا في كثيرٍ من الأحيان، بل تَحوَّلت إلى أبواقٍ مُمَوَّلة، تُملِي على الصَّحفيِّ ما يقول، وتُحدِّدُ له حدودَ الحُلمِ، واللغةِ، والسَّقفِ. فتصبحُ حرِّيَّةُ التَّعبيرِ مشروطة، ومحكومةً بمقاييسِ “السَّلامةِ الفكريَّة” كما تُسَمِّيها بعضُ الأنظمة.
وفي الوقتِ نفسِه، تُمارَسُ الرَّقابةُ النَّاعمةُ تحت غطاءِ التَّشريعات. ففي بعضِ البُلدان، تُمرَّرُ قوانينُ “مُكافحةِ الشَّائعات” أو “الأمنِ الفكريِّ”، وهي عناوينُ جذَّابةٌ تُخفي خلفَها آليَّاتٍ صامتةً لتكميمِ الأصوات.
ماذا تبقَّى من حرِّيَّةِ التَّعبير؟
إنَّ حرِّيَّةَ التَّعبيرِ لم تَكنْ يومًا رفاهية، بل حاجةً إنسانيَّةً وحقًّا أساسيًّا، لا يَكتملُ وجودُ الإنسانِ من دونِه. ولكن، في عالمٍ تَحوَّل فيه الكلامُ إلى تُهمة، والرَّأيُ إلى عبء، بات السُّؤالُ الصَّعبُ: كيف نُحافِظُ على أصواتِنا من الانطفاءِ؟
الجوابُ لا يكونُ فقط في مقاومةِ الرَّقابة، بل في كشفِها. في فضحِ نعومتِها الَّتي تُخدِّرُ العقولَ، وفي خلقِ مَنصَّاتٍ بديلة، وفضاءاتٍ حرَّةٍ تُحتضنُ فيها الكلمةُ الصَّادقة، ولو كانت مؤلمة.
لعلَّ أقسى ما في الرَّقابةِ النَّاعمةِ أنَّها تُربِّينا على الصَّمت. تَجعلنا نَعتادُ السُّكوتَ، ونستبدلَ الغضبَ بالتَّجاهل، والحقَّ بالحياد. لكنَّها – مهما طال أمدُها – لا تستطيعُ أن تُخمِدَ رغبةَ الإنسانِ العارمةِ في قولِ الحقيقة. فحتَّى في أحلكِ العصور، ظلَّ هناك دائمًا من يَكتب، من يَصرخ، من يَقفُ في وجهِ التيار. هؤلاءِ هم أبطالُ الكلمةِ الَّذين لا يحتاجون سلاحًا، بل فقط شجاعة.
الرَّقابةُ النَّاعمةُ قد تَبدو أقلَّ قسوةً من سابقتِها، لكنَّها أكثرُ خُبثًا. هي لا تُهاجِمُ، بل تُقنِع. لا تَمنع، بل تُزيِّف. وهي في ذلك، تُشكِّل تهديدًا طويلَ الأمدِ على الوعيِ الجَمعيِّ، وتَجعل من حرِّيَّةِ التَّعبيرِ سِلعةً نُخبويَّة، لا يُتاحُ ترفُ ممارستِها للجميع.
فهل نُسلِّمُ للرَّقابةِ النَّاعمة؟ أم نُجاهرُ بالحقيقةِ، ولو بصوتٍ مُرتجف؟
هذا سؤالُ الصَّحافةِ، وسؤالُ الإنسانِ الحرِّ.
حدث نيوز: غَـدِيـر عَبد الگـرِيـم الـعَـقِـيلـي.

