سطوة الواعظ وسلطة الأديب: استقالة العقل في اليمن

فلسفلة
سطوة الواعظ وسلطة الأديب: استقالة العقل في اليمن

يعتبر الحديث عن العقل المستقيل في اليمن جزءًا لا يتجزأ من إشكالية تكوين العقل العربي العام، إلا أن العقل اليمني يمتلك خصوصية تتمثل في عدم ثباته واستخدامه للثقافة كأداة للوصول إلى مجالات أخرى متعددة خارجة عن المفهوم الأصيل للثقافة. لذلك، من الصعوبة بمكان إيجاد تعريف متماسك للمثقف اليمني. ومع ذلك، يمكننا تحديد نمط قريب من مفهوم المثقف يتركز في ثنائية: الأديب والواعظ. هذه الثنائية تشهد حالة استقالة تامة، ما أنتج لنا “ثقافة سائلة” توجه الرأي العام بخطاب سطحي وقوالب قديمة، الأمر الذي أثمر محصولًا ثقافيًا شعبويًا طاغيًا على المشهد الثقافي في اليمن.

لقد كان لدى المثقف اليمني متسع من الوقت لبلورة خطاب يرفع سقف الأفكار، لكنه انحرف عن شروط التثقف وصعد إلى السطح كأسهل طريق للوصول إلى النفوذ الاجتماعي، مما جعله عرضة لأمراض ثقافية أودت به إلى الاستقالة. يفتقد المثقف اليمني إلى المرجعية الصلبة التي من خلالها يتم تخصيب لغة الخطاب وتجديد الوعي.

الفلسفة بالنسبة للأديب: فقدان “جهاز المعنى”

إن رأس مال الأديب هو النص، شكلاً ومضمونًا، إلا أن الأديب اليمني قد فقد “جهاز المعنى” العميق للنص. لم يُجهد نفسه في النحت على جدران التفلسف، ولم يتشبع من الدرس النيتشوي. لقد تكاسل عن الترحال الدائم بين نصوص الفلاسفة والأنماط النادرة في إنتاج المعرفة، بالإضافة إلى عدم تكيفه مع جماليات الصورة السينمائية الحديثة. لذلك، أصبح عاجزًا عن إنتاج نص درامي ذي قيمة فنية فريدة. إن الأديب في اليمن فاقد للنباهة في موضوع الفلسفة، غارق في التجنيح، وخائف من رهبة المجتمع الذي يمنع التفلسف.

القرآن بالنسبة للواعظ: انسحاب المركزية وظهور “إنسان أعلى”

يجب أن نعلم أن النص القرآني هو النص المنشئ للخطاب والموجه للمخاطب، من خلال ألفاظه الإبلاغية ودلالاته السياقية الواضحة. ولكن عندما تم سحب المركزية منه إلى مركزيات متعددة موازية له، ظهرت الكيانات الهووية المنكفئة على نفسها، وعُبِّدت الكتابات لتكوين “إنسان أعلى” للطواف حوله. انتشرت ذهنية التحريم، وأُنشئت قيم أخلاقية ناظمة هي أقرب إلى مجتمع العبيد.

لقد بنى الواعظ في اليمن أرضية معرفية من هذا الخطاب الديني الممزوج بالعادات المحلية والثقافات الوافدة من جحافل الأديان والملل. فظهر متخمًا بمعدة ثقافية مريضة لا تقوى على مواجهة عصر التفاهة وسلطة التافهين.

مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: بشير الصناعي