حركة 13 يونيو: تصحيح أم انقلاب؟

في تاريخ اليمن الحديث، تبقى حركة 13 يونيو 1974 محطة فارقة، تثير الكثير من الجدل والتساؤلات. هل كانت حركة تصحيحية حقيقية أم انقلابًا جاء ليطيح بحكم القاضي عبد الرحمن الإرياني؟ الحقيقة، كما تكشفها الوثائق والشهادات التاريخية، هي مزيج معقد من دوافع وطنية ورغبات في السلطة، توجت بصعود شخصية محورية، إبراهيم الحمدي، الذي سعى لتحقيق إصلاحات جذرية في بلد مزقته الفوضى والفساد.
واقع البلاد قبل التصحيح: فوضى وفساد مستشري
لم تكن اليمن قد استقرت بعد من تداعيات الثورة، وكانت تعيش حالة من التدهور الرهيب في جميع مناحي الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية. الفوضى والفساد المالي والإداري استشرى، وتعددت الولاءات والانقسامات، ليس فقط على المستوى القبلي، بل امتدت لتشمل الجيش والأمن. هذا التحلل والانهيار الشامل دفع بالقوات المسلحة، بدافع من المسؤولية الوطنية، للتحرك لوقف هذا التدهور. خرجت في تلك الفترة “قرارات التصحيح للقوات المسلحة عام 1972″، والتي شخصت الأوضاع وقدمت مقترحات لحلول بخطوط عريضة.
“قرارات التصحيح”: خارطة طريق نحو الإصلاح
تضمنت وثيقة “قرارات التصحيح” 42 نقطة، لم تكن مجرد مقترحات، بل كانت خطوطًا عريضة للبناء عليها. استهلت هذه الوثيقة بثلاثة مبادئ أساسية ألزمت الجميع بالأخذ بها:
1- وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
2- الولاء الكامل والمطلق لليمن واليمنيين.
3- القوات المسلحة للحرب والإعمار.
تلا ذلك العديد من النقاط الجوهرية، أبرزها تطهير القوات المسلحة والأمن من الأفراد ذوي الميول غير الوطنية، والذين يوالون الأحزاب أو الطوائف. كانت هذه القرارات بمثابة رؤية طموحة لانتشال البلاد من مستنقع الفوضى.
الإرياني والحمدي: تقاطع المصائر
في خضم هذه الأزمة، كان القائد العام للقوات المسلحة حينذاك العقيد محمد عبد الله الإرياني، الذي كان جزءًا من الأزمة لا الحل. كانت مراكز القوى المختلفة تسعى لتجاوز الانهيار، ولكن كل طرف كان يرغب في السيطرة على مقاليد الحكم. لجأت هذه الأطراف إلى شخصية مميزة بين ضباط الجيش، ضابط لم يتورط في صراع المحاور ومراكز النفوذ، يتمتع بالنزاهة والاستقامة، وقدرة قيادية عالية، واحترام واسع في الأوساط العسكرية والمدنية.
كان هذا الضابط هو إبراهيم الحمدي، الذي كان لديه مشروع إصلاحي معلن منذ عام 1972.
كانت القوى التقليدية تعتقد أنها ستتمكن بسهولة من استرداد السلطة من الحمدي، لكنه فاجأهم بمشروعه الحداثي الذي تجاوز تلك القوى وأدوات التخلف في اليمن. كان الحمدي يتمتع بذكاء حاد وشغف كبير بتحقيق طموحات شعبه، وامتلك رؤية واضحة لبناء دولة مدنية حديثة.
الثورة البيضاء: إنجازات وتضحيات
لم يكن ابراهيم الحمدي ورفاقه التصحيحيون قوى شر، بل كانوا منقذي الثورة والجمهورية بحركتهم التي لم تُرق فيها قطرة دم واحدة، وهو ما أطلق عليها “الثورة البيضاء”. الإنجازات التي تحققت على يد الحركة التصحيحية تدحض كل الادعاءات التي تشكك في وطنية الحمدي وصواب حركته المباركة.
السبب الحقيقي وراء حركة يونيو: كبح جماح الفوضى
كان القاضي الإرياني رجل دولة بامتياز، وأول وآخر حاكم مدني لليمن منذ الثورة. كان محل ثقة وإجماع الحواضن الشعبية ومراكز القوى. إلا أن علاقته الدبلوماسية الممتازة مع النظام اليساري في عدن أثارت حفيظة الكثير من المشايخ القبليين، الذين اعتبروا أنفسهم الرعيل الأول للدولة. قام هؤلاء بالانقلاب عليه، ولأنه رجل وطني من العيار الثقيل، قدم استقالته حقنًا للدماء، وسلمها لمن اختارتهم تلك القوى التي لم تدرك مدى سذاجة قرارها باختيار المقدم إبراهيم الحمدي خلفًا للإرياني.
بعد أن تمكن الحمدي من الإمساك بزمام الحكم، عمل على تحجيم نفوذ تلك القوى وتقليم أجنحتها بطريقة غير مسبوقة في التاريخ اليمني. لقد استهانوا به، وهو الذي جاء من أسرة علماء وقضاة لا يملكون قواعد عسكرية أو قوى مشيخية. لكنه أذاقهم الأمرين وقضى على أشكال الخروج عن النظام والقانون، والشللية، والمليشياوية. هذا ما أدى في النهاية إلى مقتله غدرًا في بيت صديقه الخائن، بإيعاز من السفير السعودي.
السلام والخلود لروحهما، الحمدي والإرياني، اللذين ساهما في تشكيل مسار اليمن الحديث.
مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: لؤي العزعزي

