“جمهورية الخطيئة”: صرخة من قلب اليمن تفضح العنصرية المتجذرة

يُعدّ محمد علي القيرعي، الثائر بقلمه، رمزًا لوجع عميق يمتد لقرون، وجع طبقة كاملة من المجتمع اليمني تعاني من أعتى أشكال العنصرية والتمييز. المقال هذا ليس مجرد كلمات، بل هو صرخة احتجاج مدوية في وجه مجتمع ظل يمارس الإقصاء والنبذ ضد “المهمشين” منذ آلاف السنين.
“الأخدام”: وصمة عار تاريخية
تعاني الفئة الاجتماعية المعروفة مجتمعيًا بـ “الأخدام” من انسحاق غير مسبوق في اليمن. هذا المسمى نفسه يحمل في طياته احتقارًا ودونية، ويعكس تمييزًا عنصريًا متأصلًا استمر لقرون طويلة، مكرسًا حالة من النبذ والإقصاء الفج. وقد وصف القيرعي، أحد أبناء هذه الفئة وروادها، وضعهم بدقة في مشروعه الكتابي “جمهورية الخطيئة” قائلًا: “إنها الطبقة المقصية والمهمشة الأكثر عزلة ونبذًا وفاقة وتخلفًا وأمية في اليمن… حيث تعيش وعلى امتداد تاريخ الاستبداد الاجتماعي والعنصري الممتد لما يربو على الخمسة عشرة قرنًا على هامش الحياة والتاريخ”.
القيرعي: باحث عن العدالة في زمن الظلم
يعيش محمد علي القيرعي، الذي فتكت به الأمراض، حالة من البحث الدائم عن المواطنة لنفسه ولأبناء جلدته الذين يرزحون تحت نير التمييز والعنصرية لقرون طويلة. يجد القيرعي الظلم متوحشًا في وجهه، والازدراء أكبر من قدرته على التحمل، فلا يجد في مواجهة الغشامة العنصرية سوى الانفجار احتجاجًا. يتجلى هذا الاحتجاج في أسئلته الملتهبة في كتابه المشحون بالوجع والنزيف: “لماذا يا ترى تعاندنا أقدارنا! لماذا يقف الجميع صفًا واحدًا ضدنا بدءًا من الأقدار والمشيئة والتاريخ، وانتهاءً بالمجتمع الفاقد هو الآخر طريقه صوب الحضارة الإنسانية..؟!!”
يستمر القيرعي في سؤاله المؤلم: “يا صديقي الوحيد المتبقي لي وسط كل هذا العهر والبغض والدمار والكراهية العنصرية التي تسمم من حولنا كل مظاهر الحياة الإنسانية.. أفدني من أين يأتي كل هذا الكره؟ لماذا تسود على الدوام لغة العنف والقوة والازدراء؟ لماذا لا يزال معيار الإفك والتفوق العرقي والسلالي هو المحدد الدائم لمسار العلاقات الإنسانية المريضة والمتخلفة؟ وكيف يعقل أن ينبذ شخص ما ويهان ويستعبد لمجرد أن لون بشرته سوداء..؟”
لعنة النبوغ في مجتمع عنصري
عانى القيرعي من التمييز بكل أنواعه، حتى أن نبوغه وتفوقه، الذي كان يُفترض أن يكون جسر عبور لحياة أفضل، تحول إلى نقمة ومعاناة. يسرد جانبًا من هذه المعاناة في مشروعه الكتابي “حصاد الخطيئة” قائلًا: “كنت الوحيد من أبناء جيلي الذي يعاني من تبعات تفوقه الدراسي في مرحلة التعليم الابتدائي منتصف سبعينيات القرن العشرين، حيث كنت ذكيًا ومتفوقًا بالفطرة، بيد أن تفوقي الملحوظ آنذاك كان يعد بمثابة إهانة مرفوضة لأقراني القبائل، وتحديًا أو تقويضًا -إن جاز التعبير- لبنيان تفوق العرق الأبيض، الأمر الذي كان يتعين علي معه تحاشي تفوقي في كل مرة أحوز فيها على درجات أعلى من غيري، خوفًا من ردة الفعل الاجتماعي ومن غضب “الفاشلين البيض” الذين كانوا دومًا على حق حتى في نظر والدي الذي كان مجرد تفوقي يشكل في نظره أداة جلب لمتاعب هو في غنى عنها…”.
تجسد هذه الكلمات مدى القهر الذي عاشه القيرعي، وكيف دفعه هذا البغض إلى الهرب مبكرًا بحثًا عن كفاح آخر يحرره من “لعنة القهر والتسلط الاجتماعي والدونية”.
نقد لاذع للزيف الثوري
لا يتوقف احتجاج القيرعي عند حدود المجتمع العنصري، بل يمتد إلى نقد لاذع للزيف الذي اكتشفه في مسيرته النضالية. فبعد أربعة عقود من النضال المضني في منظمة “اتحاد شباب اليمن الديمقراطي” والحزب الاشتراكي، أيقن “كم كانت الحياة غير عادلة البتة معي حينما تيقنت من شدة زيف دعاة القيم والشعارات التقدمية في بلادنا، التي قاتلنا وضحينا طويلًا في سبيلها بسخاء الفاتحين الحقيقيين.. حيث كانت ثورتنا الاشتراكية في جنوب اليمن ما قبل الوحدة مجرد يافطة تخفي وراءها مجموعة من برابرة القبيلة المتمترسين بقوة خلف “المطرقة والمنجل”، والذين اعتادوا في الحقيقة على حشو خطبهم بالعبارات التقدمية المنمقة واحتساء الكحول والجعة بإفراط، ما جعلهم غير مدركين البتة حقيقة أن قضية الحرية الإنسانية لا تعني فحسب خلع الحجاب وتقويض التراتبية الطبقية وتهميش الألوهية الدينية، بقدر ما هي قضية إنسانية مطلقة، تعني تحقيق الأمان لبيوتنا ولآمالنا وتطلعاتنا التحررية ولأطفالنا وحاضرنا ومستقبلنا…”.
تحدي المحرمات بحثًا عن العدالة
يذهب القيرعي في تمرده إلى إثارة قضايا وجودية، متجاوزًا الحدود المألوفة، بحثًا عن العدالة المفقودة واحتجاجًا على غياب المساواة وطلبًا للحياة الكريمة له ولأبناء جلدته. يقامر برأيه ويقتحم الممنوع بدافع من الضيم والقهر، ويتحدى واقعه الباذخ بالظلم والاستبداد.
يصل تمرده إلى ذروته حين يجيب أحد معارفه عن سؤاله “ما إذا كنت ملحدًا بالفعل.. فرددت بالإيجاب.. وحينما سألني عن السبب .. أجبته قائلًا بأنني لا أرغب البتة في أن أتشارك دينًا ومعتقدًا واحدًا مع هذا المجتمع البربري.. ليس فقط لأنه جردني وأقراني قسرًا (كمهمشين) من أبسط شروط ومقتضيات الحقوق والعدالة والمساواة الإنسانية بسبب لون بشرتنا الداكنة (كأخدام)… وإنما أيضًا بسبب إساءته المريعة كشعب همجي للمشيئة ذاتها التي جردها هي الأخرى وعبر مجونه التفوقي والإرهابي من أسمى قيمها ومعانيها السامية المبنية أصلًا على مبادئ السلام والألفة والمحبة والتراحم والعدالة الإنسانية المطلقة”.
ويختتم القيرعي دفاعه أمام “القدير” بقوله: “هذا ما يدفعني إلى الاعتقاد بجزم في أن القدير سيتفهم أسبابي ودوافعي الإلحادية حين أمثل بين يديه في يوم سأتساوى فيه بالتأكيد كما يشاع مع كل جهابذة الحداثة والإرهاب معًا في بلادنا؛ وخصوصًا منظّرو الإرهاب الديني والفقهي والعشائري”.
إن مقاله القيرعي هذا ليس مجرد سرد لمعاناة شخصية، بل هو وثيقة تاريخية لواقع مؤلم، ودعوة ملحة للتفكير في أعماق العنصرية وتأثيرها المدمر على الأفراد والمجتمعات. هل يمكن لصرخة القيرعي أن تكون الشرارة التي توقظ الضمائر وتدفع نحو التغيير الحقيقي؟
مقاله ومراجعة خاصة لـ حدث نيوز بقلم القاضي: أحمد سيف حاشد

