تقرير خاص: معاناة المختطفين في سجون الحوثيين.. غياب العدالة وحضور الألم

في خضم الصراع الدامي الذي يمزق اليمن منذ سنوات، تبرز قضية المختطفين في سجون مليشيات الحوثي كأحد أبرز الملفات الإنسانية المروعة. رجال ونساء وأطفال، اقتيدوا قسرًا من منازلهم وأعمالهم وشوارعهم، ليواجهوا مصيرًا غامضًا خلف أسوار مظلمة.
تشير تقارير حقوقية موثوقة إلى أن أعداد المختطفين في سجون الحوثيين تجاوزت الألفين، من بينهم صحفيون وأكاديميون وناشطون سياسيون وطلاب جامعات. ويبقى مصير هؤلاء المعتقلين مجهولًا في ظل ظروف احتجاز قاسية تفتقر إلى أدنى معايير الإنسانية.
تعذيب ممنهج ومعاملة لا إنسانية
شهادات مروعة أدلى بها ناجون من هذه السجون تكشف عن نمط تعذيب ممنهج لم يعد مجرد وسيلة للضغط، بل تحول إلى سلوك ثابت يمارس ضد جميع المعتقلين. يروي أحد المعتقلين السابقين تفاصيل مؤلمة قائلًا: “كانوا يجلدوننا بكابلات الكهرباء ويعلقوننا من أيدينا لساعات طويلة، ويحرموننا من الطعام والماء لأيام متواصلة، وكل ذنبنا أننا عبرنا عن رأينا أو كتبنا منشورًا على فيسبوك.”
غياب المحاكمات العادلة وتوجيه التهم الرسمية يزيد من وطأة المعاناة. يقبع العديد من المعتقلين لسنوات خلف القضبان دون أن يعلموا سبب اعتقالهم، بينما تجهل عائلاتهم مصيرهم وتُحرم في أغلب الأحيان من حق الزيارة والاطمئنان عليهم.
النساء في دائرة الاستهداف
لم تسلم النساء أيضًا من هذه الانتهاكات الصارخة. على الرغم من التقاليد المحافظة للمجتمع اليمني، تشير تقارير حقوقية إلى قيام الحوثيين باختطاف نساء وزجهن في السجون بتهم ملفقة. وتفيد الشهادات بتعرض بعضهن لتعذيب نفسي وجسدي وحشي، وإذلال، وتهديد، وحرمان من أطفالهن.
تساؤلات حول دور المجتمع الدولي
على الرغم من النداءات المتكررة من منظمات حقوقية محلية ودولية، لا يزال رد الفعل الدولي باهتًا ولا يرقى إلى حجم المأساة التي يعيشها المختطفون وعائلاتهم. وتستمر جماعة الحوثي في استخدام ملف المعتقلين كورقة ضغط سياسي وأداة للابتزاز، في تجاهل تام لحقوق الإنسان والقانون الدولي.
إن استمرار الصمت على هذه الجرائم يمثل تواطؤًا ضمنيًا ويزيد من معاناة آلاف الأبرياء القابعين خلف القضبان. يجب على المجتمع الدولي التحرك بشكل حازم لوقف هذه الانتهاكات والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين تعسفيًا دون تهم واضحة. فالألم هنا أعمق من أن تختزله الكلمات، والعدالة الغائبة تزيد الجرح اتساعًا.
شهادات حية من قلب المعاناة
يروي الصحفي اليمني بدر سلطان، في سلسلة رواياته المؤثرة “ماحدث لي في سجون الحوثيين”، تفاصيل مروعة عن السنوات الخمس التي قضاها في معتقلات مليشيات الحوثي بسبب منشوراته على فيسبوك التي تناولت الأوضاع في البلاد.
يقول سلطان: “في أقبية سجون الحوثيين، كانت أصوات المعذبين تتعالى، تخترق جدران المكان. كنت أتوق لأن يقع الضرب على جسدي بدلًا من أن أُجبر على سماع هذا العذاب الممنهج الذي تمارسه المليشيات، والذي يُعد بحد ذاته تعذيبًا نفسيًا قاسيًا. لم يسلم أي مختطف من آثار التعذيب الجسدي.”
ويضيف: “دفعت ثمن ممارستي لحقي في التعبير عن الرأي سنوات من عمري داخل معتقلات الحوثيين، حيث تنقلت بين عدة أقسام منها ‘هبرة’، و’الوحدة’ (سعوان)، والبحث الجنائي، ومعتقل احتياطي في الثورة. لقد شهدت وعانيت من أبشع أساليب التعذيب، من الصعق بالكهرباء والضرب بالحديد إلى التقييد والتعذيب بما يسمى ‘الشواية’، والإغراق في الماء، والتعليق من القدمين. كل معتقل كان له طريقته الوحشية الخاصة.”
ويؤكد سلطان على الاستهداف الممنهج للصحفيين، قائلًا: “تمنيت لو كانت تهمتي أي شيء آخر غير الإعلام والصحافة، فالتعذيب الذي يتعرض له الصحفيون يختلف عن أي نوع آخر من التعذيب، بل يفوقه وحشية. تهمة الصحافة في نظرهم جريمة عظيمة تفوق أي ذنب آخر. لقد زُج بي في زنازين مع مجرمين آخرين لم يتعرضوا لنفس مستوى التعذيب الذي يُمارس على المتهمين بالإعلام والصحافة.”
ويوضح كيف تطورت التهم الموجهة إليه بشكل عبثي، ويكشف عن حجم المعاناة التي يتعرض لها الصحفيون في سجون الحوثيين، مؤكدًا أن استهداف الصحافة هو دليل على خوف المليشيات من كشف جرائمها.
دعوة للتحرك من ناشط حقوقي
من جانبه، يصف الناشط الحقوقي عارف السالمي ما يحدث في سجون الحوثيين بأنه “ليس مجرد انتهاك، بل جريمة منظمة ضد الإنسانية. آلاف الأبرياء يُعذبون ويُحرمون من أبسط حقوقهم، في ظل صمت دولي معيب. آن الأوان أن يتحرك الضمير العالمي لإنهاء هذه المأساة، فالعدالة المؤجلة هي ظلم مستمر.”
يبقى الأمل معلقًا على صحوة الضمير العالمي وتحرك جاد لإنهاء هذه المعاناة وإحقاق العدل للمختطفين وعائلاتهم في اليمن.
المصدر : حدث نيوز – خاص

