تزايد ظاهرة اللادينية بين الفتيات اليمنيات: هروب من وصاية الدين أم بحث عن الحرية؟

تقارير
تزايد ظاهرة اللادينية بين الفتيات اليمن...

كشف تقرير حديث أعده نايف الخالدي ونشرته منظمة EHOM في 7 يونيو 2025، عن تنامي ظاهرة اللادينية بين الفتيات اليمنيات، في ظل قمع مجتمعي ووصاية دينية متزايدة منذ اندلاع الحرب في اليمن عام 2015. ويطرح التقرير تساؤلات جوهرية حول الأسباب الكامنة وراء هذا التحول الجذري، وما إذا كان مجرد رد فعل على استخدام الدين كأداة للصراع، أم بحثًا عن حرية فكرية ووجودية أعمق.

الدين أداة للحرب والقمع

يشير التقرير إلى أن الحرب في اليمن، التي بدأت في مطلع عام 2015، شهدت توظيفًا مكثفًا للدين من قبل مليشيا الحوثي والجماعات الدينية الأخرى المنخرطة في الصراع. تحول الدين من خيار روحي حر إلى “عباءة إجبارية” تفرضها هذه الجماعات، مما دفع بالكثير من الشباب إلى جبهات القتال للدفاع عن أيديولوجيات متناقضة. هذا الاستخدام السياسي للدين أدى إلى “رحلة عبور بارزة عن الدين”، لم تكن الفتيات اليمنيات بمعزل عنها.

من الصدمة إلى الإدراك: شهادات لادينيات

تتحدث حنين إبراهيم، وهي إحدى الشابات اللادينيات التي وردت شهادتها في التقرير، عن “صدمات نفسية وعقد دينية” تعرضت لها، بسبب الاستهلاك المتكرر للنصوص الدينية بما يخدم أصحاب النفوذ السياسي، وتبرير الفساد وتعزيز سياسة التمييز. ترى حنين أن اختيار اللادينية جاء كـ”ردة فعل وجودية عميقة على دين فقد روحه”، مشيرة إلى أن الدين تحول في محيطها إلى “أداة قمع وخطاب كراهية” وسلاح يُشهر في وجه النساء والمخالفين. وصفت حنين رحلتها نحو اللادينية بأنها “بطيئة، مؤلمة، لكنها ضرورية للخلاص الذاتي”، وأنها أدركت أن الكثير من المواعظ كانت موجهة لخدمة مشاريع سياسية محددة.

شابة أخرى، عرفت باسم “إرهاب محمد”، تؤكد أنها نشأت في بيئة محافظة جدًا حيث كان كل ما تفعله محكومًا بالدين. لكن أول عبور حقيقي لها نحو اللادينية حدث خلال سنوات الحرب، حيث بدأت ترى كيف يُستخدم الدين كأداة للتحريض والقتل والاصطفاف السياسي. وتصف إرهاب تحولها بأنه “لم يكن سهلًا، لكنه كان ضروريًا”، وأن الإنترنت كان “طوق نجاة” مكنها من اكتشاف عالم أوسع من “السردية الوحيدة” التي حشرت فيها. وترى أن اللادينية “ليست نفيًا للموروث الديني، بل فعل مقاومة وصناعة وعي”، ورفضًا للعيش في دين يشرعن القتل والتمييز.

اللادينية كحركة مقاومة وبحث عن أخلاق إنسانية

رغم التحولات الصامتة، لا يزال العبور الديني في اليمن يفتقر إلى الاعتراف القانوني أو الاجتماعي. يصف اللادينيون تحولهم ليس كتمرد على الدين فحسب، بل كمحاولة لاستعادة الإنسانية في بيئة اختُطف فيها الدين لصالح السلطة والقهر. تؤكد إحدى الشابات اللادينيات (طلبت عدم الكشف عن هويتها) أن اللادينيات في اليمن “لا يهربن من الأخلاق”، بل يبحثن عن “ضمير أخلاقي عصري يعترف بالحقوق العالمية للإنسان، وحرية المرأة، وحرية الضمير، والفردية، والإبداع”. وترى أن الخطاب الديني المهيمن يحاول “إعادة طلاء المفاهيم العتيقة بألوان جديدة”، حيث يصبح “حبس المرأة تكريمًا لها، والقتل واجبًا دينيًا، والاستعباد باسم الدين تحريرًا”.

الفضاء الرقمي ودور علي البخيتي في دعم هذه الظاهرة

لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد اللادينيين في اليمن، لكن النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى حركة فكرية متنامية. لعب الإنترنت دورًا محوريًا في فتح آفاق جديدة أمام الشابات، من خلال المنتديات والمجموعات النقاشية التي أصبحت فضاءً آمنًا للبحث عن بدائل معرفية.

يتفاعل العديد من الفتيات اللواتي يتبنين فكرة اللادينية مع منشورات السياسي والصحفي والكاتب اليمني علي البخيتي، الذي يعد صوتًا بارزًا مناهضًا للوصاية الدينية والاجتماعية. يرى البخيتي أن هذا التفاعل يعكس “حالة من الاحتياج الفعلي لأفكار جديدة تسلط الضوء على واقع المرأة في اليمن وتطرح حلولًا للقضايا التي يعانين منها”، مشددًا على أن التحرر الذي يدعو إليه لا يعني التخلي عن الدين بالضرورة، بل “تحررًا من القواعد المجحفة التي تمنح الرجل سلطة مطلقة على المرأة”.

دعوة إلى نهضة فكرية ونقاش عقلاني

تؤكد الدكتورة إلهام مانع، الأستاذة في العلوم السياسية والباحثة في قضايا الحقوق والحريات الدينية، أن القلق المحيط بظاهرة الإلحاد بين الفتيات اليمنيات ناتج عن سوء فهم لطبيعة هذه الظاهرة، وأن الموقف اللاديني هو “موقف معرفي شخصي قد يكون دائمًا أو مؤقتًا، ولا ينبغي التعامل معه كخطر مجتمعي”. تدعو مانع إلى “نهضة فكرية تُعيد الدين إلى مجاله الروحي” و”تفكيك هالة القداسة عن الاجتهادات الفقهية التي كرّست التمييز القائم ضد المرأة”.

سيف القانون المسلط: الردة عقوبتها الإعدام

على الرغم من هذه التحولات، يظل القانون اليمني يشكل سيفًا مسلطًا على رقاب من يعبرون عن شكوكهم أو يتبنون قناعات لادينية. تنص المادة (259) من قانون العقوبات اليمني على أن “كل من ارتد عن دين الإسلام يعاقب بالإعدام بعد الاستتابة ثلاثًا وامهاله ثلاثين يومًا”. ومع ذلك، يلاحظ التقرير ملامح تغييرات ناعمة تظهر في بعض الأوساط، لا سيما بين الشباب، الذين يتطلعون لمجتمع أكثر تعددية، حيث بدأت تظهر مساحات للحوار والاعتراف بالاختلاف الفكري والديني، وإن لم يكن معلنًا بشكل كامل.