بين “النسوية” و”الفسوية”: صراع الهوية والمعركة المستمرة لحقوق المرأة

مقالات
بين “النسوية” و”الفسوية”: صرا...

لطالما كانت قضية النسوية وحقوق المرأة محور جدل واسع، لكن ما أراه اليوم هو انقسام حاد يدفعنا إلى التفكير بعمق حول ماهية هذه الحركة وأهدافها. في تصوري، النسوية الحقيقية تسعى لتمكين المرأة ونزع القيود عنها في الحياة والكرامة والحرية، وهو ما نتفق عليه جميعًا كحقوقيين. المرأة حرة في ما تقوله وتلبسه، وهذا حق أصيل لا يحتاج لإشادة أو دعم. لكن الجدل يشتد عندما نصل إلى قضايا مثل تحديد مصير الجنين، وهنا يتوقف المنطق بالنسبة لي.

الإجهاض: حرية جسد أم إزهاق لروح؟

أجدني في معركة فكرية شرسة مع الجناح المتطرف من النسويات، خاصة فيما يتعلق بمسألة الإجهاض. بينما يطالبن بحق المرأة المطلق في جسدها ليقررن مصير الجنين، أرى أن هذا المنطق يحمل تناقضًا خطيرًا. إذا كانت حرية الجسد تبيح قتل الجنين لأنه جزء من المرأة، فهل يصح للأب أن يقتل ولده بحجة أنه صاحب الجينات الوراثية؟ هذا التشبيه قد يبدو صادمًا، لكنه يوضح مدى الخطورة في تبني منطق أحادي.

هناك العديد من الوسائل لمنع الحمل قبل حدوثه. فلماذا يُسمح لبطن المرأة بالنمو ثم يتم اللجوء إلى إجهاض مضغة؟ قد أتساهل مع الإجهاض في الأيام الأولى بشروط صارمة، لكن بمجرد أن يتشكل الجنين، يصبح إجهاضه قتلاً بكل ما تعنيه الكلمة. الطفل ليس ملكًا للمرأة، فالمرأة وعاء لنمو الطفل، والرجل ملقح، وليس لأي منهما الحق في نزع حياة الجنين دون سبب منطقي وحقيقي. تجاوز المحظورات يصبح واجبًا فقط في حالات الضرورة القصوى، وليس لمجرد الإيمان بأن الجنين جزء من جسد الأم.

“الفسوية”: عداء وانتقام لا تحرر

لقد تفاجأت مرارًا بتناقضات بعض من يرفعن راية النسوية. أستميت في الدفاع عن حقوق المرأة، فيؤيدنني، وما إن أختلف معهن في نقطة حتى يهجمن علي بشراسة ويمحن كل ما سبق. هذا ما حدث مع صديقتي “أمينة حازل”، التي نسفت علاقة قائمة على الاحترام بمجرد إدلائي برأيي هذا.

هذا التوجه دفعني للتمييز بين “النسوية” الحقيقية و ما أسميه “الفسوية”. النسوية، كما أراها، هي حركة حقوقية تدعم انتزاع المرأة لحقوقها وحرياتها وتمكينها جنبًا إلى جنب مع الرجل. أما “الفسوية”، فهي فصيل متطرف يعادي الرجل ويتطرف في هذا العداء. هذا النوع من التفكير يذكرني بالفصيل المتطرف من حركة الأقيال القومية في اليمن، التي تواجه العنصرية السلالية بعنصرية مضادة. وكما أن مواجهة العداء بعداء مضاد هو غاية في الغباء واللاواقعية، فعداء الرجل يجلب نقيضه.

تاريخيًا، تعرضت المرأة للعنف والاستعباد والتقليل من شأنها في معظم المجتمعات والديانات، وهذا وصمة عار على جبين الإنسانية. لكن تحويل هذا الظلم إلى عداء طرف للآخر أمر غير مقبول بالمرة. “الفسويات” في رأيي يواجهن المجتمع الذكوري بكراهية وعـ ـداء لكل الرجال، حتى غير الذكوريين منهم.

زواج المتعة والتسليع: هل هذا هو التحرر؟

الغريب أن بعض من يسمين أنفسهن “نسويات متطرفات إسلاميًا” يتبنين أفكارًا تتناقض تمامًا مع أي مفهوم للتحرر الحقيقي. فهن يعتبرن أن الزوج هو المطالب بدفع كل تكاليف الزواج (مهر، شبكة، شقة)، ويرفضن المساعدة في نفقات المعيشة أو أعمال المنزل، بل وحتى إرضاع الأطفال. هذا التفكير يحوّل المرأة إلى “دمية جنسية”، ويقتل الأمومة والعاطفة الإنسانية، ويجعل العلاقة الزوجية مقتصرة على المتعة المادية فقط. أين التحرر في أن يصبح المهر مرادفًا لشراء الجواري، وأن يُفرض المال مقابل إرضاع الطفل؟

إذا كانت المرأة عاملة، يرين أنه ليس من شأنها المساعدة في تكاليف الحياة، وإن لم تكن عاملة، فالوضع لا يختلف. هذا النوع من التفكير يبدو وكأنه حركة انتقامية، رد فعل على استعباد الرجال للمرأة عبر القرون. نعم، المرأة مظلومة ومسلوبة الإرادة، وهذا ما يدفعنا كحقوقيين للتضامن معها ودعمها، لكن هذا لا يبرر قبول حركة مضادة تدعو إلى الكراهية والعداء.

الزواج ليس مجرد متعة يمكن تذوقها دون التزامات. إنه مسؤولية مشتركة، وبناء لنواة المجتمع المستقبلي. فكما يستمتع الرجل، تستمتع المرأة. وكما يحقق الرجل استقرارًا، تفعل المرأة. لماذا يجب أن يتحمل الرجل وحده التكاليف؟ أرى أنه يجب أن يشتركا ويتقاسما كل المسؤوليات والواجبات، دون أفضلية لأحد على الآخر، ودون تقييد حرية أو حقوق أي من الطرفين.

“نقيضات رضوى الشربيني وياسمين عز”: تناقضات تُعمق الأزمة

مصر، التي أخرجت لنا عمالقة الفن، أخرجت لنا أيضًا “ظواهر” إعلامية تزيد من تشويه صورة حقوق المرأة. رضوى الشربيني، التي كرست برامجها لتحريض النساء ضد الرجال، خاصة الأزواج، هي في نظري “أم حركة الفسوية”. لم تكن تعرف النساء بحقوقهن ليدافعن عنها، بل كانت تدفعهن لتحويل الظلم والقمع من النساء إلى الرجال.

في المقابل، ظهرت ياسمين عز، التي تدعو النساء إلى “عبادة أزواجهن” وتقبل الخيانة والعنف للحفاظ على البيت. تدعو النساء للتعامل مع الرجال كـ “أطفال كبار” وتحمل الإهانة والضرب. تستغل العواطف الدينية وتتغزل بالرجال لجذب الشهرة، بينما تعيش هي حياتها بحرية. ياسمين مثال للنفاق الاجتماعي، فهي تقول ما لا تفعل وتفعل ما لا تقوله.

رضوى تشتم الرجال “القذرين” بسبب انتهاك النساء، وياسمين تدعو النساء للانبطاح للظلم لأن “الرجال كلهم حلوين”. كلاهما يمثلان تطرفًا يحرف قضية المرأة عن مسارها الصحيح.

قناعات راسخة رغم الخسائر

الدفاع عن حقوق الفئات المستضعفة والمظلومة ليس مجاملة ولا بحثًا عن شهرة. في مجتمعاتنا الشرقية، المرأة مظلومة وتحرم من الكثير، وتُرى كـ “عار” أو “عورة”. نصرة حقوقهن واجب علينا كنشطاء، وليس تفضلاً أو نفاقًا.

بصفتي ناشطًا حقوقيًا، لدي تاريخ متواضع في الدفاع عن الحقوق والحريات دون تمييز. قضيتي ليست المرأة فقط، بل الإنسان. أقف اليوم ضد هذا المنطق وهذا التفكير الذي يؤمن به للأسف الكثير من “النسويات المتعصبات”. لقد دخلت في صراع معهن من قبل، وواجهت ظلمًا وإقصاءً بإرادة انتقامية لرد الصاع صاعين. من تلك النقاشات، خسرت صديقات وزميلات كثيرات، وتفاجأت بعدد من أزلن صداقتي وحظرنني بسبب اختلاف وجهات النظر.

الشعور الذي انتابني لا يمكن نسيانه. ولكن القاعدة الأساسية هي أن من لا يؤمن باختلاف الآراء وتقبل الآخر، ومن لا يؤمن بأن الاختلاف لا يفسد للود قضية، لا يستحق الصحبة أو الزمالة.

أنا أتفق مع الكثير مما تقوله النسويات، إلا في نقطة واحدة: رفضهن تحمل مسؤولية المشاركة في أعباء العائلة والبيت. الاستقلال والاعتماد على الذات هما خطوة أساسية نحو التحرر الحقيقي، وهنا يكمن اختلافي الجوهري.

في الختام، أؤكد على أن النسوية حركة تذبذبت علاقتي بها، لكنني دائمًا أنحاز للحرية كمنظومة لا تتجزأ. النسوية ليست حراكًا حقوقيًا خاصًا بالمناضلات فقط، بل يشمل كل من يدافع عن حق المرأة وحرياتها وتمكينها.

مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: لؤي العزعزي