فتحي أبو النصر..صرخة بين المجد والجوع

راي
فتحي أبو النصر..صرخة بين المجد والجوع

رجلٌ كثيفٌ بكل ما تعنيه الكلمة، ما إن كتب شعرًا إلا وانفجر ينبوع الجمال. حرًا يساريًا بتأريخ حافل بالنضال، واسمًا معروفًا وثقيلًا جدًا. كبار المثقفين والشعراء العرب يعظّمون اللحظة الوجودية التي قد تجمعهم به. غير أن الانتكاسات الكثيرة التي تعرض لها والخيبات الكبيرة عمّقت من اعتلالاتٍ مكبوتة. رؤيته المستمرة لمن تتلمذوا على يديه يتبوّؤون المناصب ويترأسون المحافل والمنصات، وليس فقط يلقى قطيعة وإقصاءً، بل وقمعًا ممن تتلمذوا على يديه.. أبقاه على ما هو عليه الآن.

يسار مجرد من التأثير

أبو النصر انعكاس لليسار اليمني الذي لم يعد سوى حزبٍ يطلق البيانات غير المتداولة والتنظيرات غير المقروءة والمعارك الافتراضية. وفوق ذلك تشظٍ وانقسام وقرارات سياسية حمقاء في تحالف مع أعداء الحرية والجمهورية والنظام والقانون. انقسام بين أنصار الكهنوت مؤمني الولاية وبين أنصار الإفساد مؤمني الخلافة. صُيّر اليسار إلى تيار رجعي بشعارات يسارية جوفاء.

انتهازية الرموز نسيان للثورية

واليساريون طالما كانوا جزءًا من الطبقة الكادحة المسحوقة، وكانت قضيتهم العدالة في المحاولة للانتصار للعمال والفلاحين. غير أن الرموز ما إن بدأت تذوق الأموال والامتيازات البرجوازية ولاحظوا الانتفاع الرأسمالي، سرعان ما تحول انتماؤهم اليساري إلى مجرد انتماء مبطّن، وتحولوا إلى أتباع لأدوات القوى العميلة والمرتهنة للدول الإقليمية.

صرخة في وجه الإقصاء

أبو النصر بدوره سخط جدًا من إقصائه وإبعاده، وخصوصًا بعد منصبه الظرفي ورئاسته الطويلة للمواقع والمجلات الثقافية والفكرية، واليوم أصبحت كتاباته ونتاجه يُرفضان ممن أبرزهم للفضاء الثقافي. أصبح يرى تلاميذه يُبتعثون إلى الخارج ويتسلمون معاشات وإعاشات ومخصصات، وهو ببطنٍ فارغ يتضور من الجوع.

لكأنه تساءل: ما الفائدة من قلمٍ لا يُدرّ الكرامة والخبز والملح؟!

“كتبت الجمال وانتصرت للوطن، وأبقيت على وطنيتي تمسكًا بالوطنية والقيم والثورية.. إلا أني جوبهت تكريمًا لي بالإقصاء والإبعاد!” هذا الشيء دفع به للنكاية باليسار، حتى وإن اصطفّ مع المكونات الرجعية التي كان قد كتب عنها طويلًا ما خلّده كعدو لدود لأهل السمنة والمجاعة من إسلام سياسي.

صراع من أجل البقاء

إلا أن الرجل أصبح مستعدًا لفعل أي شيء ليستمر تدفق المال والإعاشة ليبتاع القات الإثيوبي العظيم وينظّر بكتابات طويلة وكثيرة من على مجلس كبير إلى جانبه نبيذ معتّق وسمراء تسر الناظرين. قرأت مقالاته الأخيرة عن اليسار واتفقت معه في أجزاء كثيرة وكبيرة. غير أنني ارتبت جدًا في تقاربه المفاجئ وتحوله المخيف من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين!

دائمًا ما كنت أقول إن الكتابة التي لا تنبع عن مشاعر ومواقف واقعية حقيقية تظهر جوفاء صماء لا تُحدث أثرًا.

الجوع والإقصاء يفعلان أي شيء

أفهم الرجل وأشعر به بالرغم من فارق العمر الطويل والتاريخ النضالي، بين اسم علم معروف يمنيًا وخارجيًا، وبيني أنا المتواري غير المعروف. ورغم ذلك، فإن تعرضي للإقصاء والتهميش لكوني غير متحزب في الوقت الذي فاضت فيه السيولة والأموال على التيارات الثلاثة:

الإسلام السياسي

والسلفية السياسية

والانتهازية السياسية بكافة أجنحتها

ممن كنت أحرر موادهم، خريجو الأمس أصبحوا ينظرون علينا وينكرون علينا الصمت ونحن في وجه المدفع وهم في الفنادق مرفهين، يجعلني أشعر بالرفيق فتحي أبو النصر بل وأتضامن معه.

هذا الرجل من أكثر الشخصيات التي طالما تمنيت لقاءً، وإن كان عابرًا، معه.

رجل مثقف وشاعري جدًا، غير أن الظروف والمواقع النخبوية الإقصائية والشللية المسيطرة على الساحة تجعل الرجل منا يفعل أي شيء فقط من أجل النجاة.

تبًا للحظة الوجودية التي أنجبت من يشتمك يا رفيق.

مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: لؤي العزعزي