الحلم اليمني

مقالات
الحلم اليمني
عميد المهيوبي

حدث نيوز: عميــــد المهيوبي

أشرد كثيرًا هذه الأيام، وأحلق بخيالي بعيدًا في آفاقٍ بلا حدود، حيث لا قيود تكبل الفكر، ولا أسوار تضيق على المنطق.
أتساءل: لماذا يُقتل اليمنيون؟ هل حقًا من أجل الوطن؟ أم أن الوطن أصبح مجرد شعارٍ يتشدق به الجميع، بينما يطعنونه بخناجر الخيانة؟
يأتي الجواب من صمت التأمل: هذه الحرب عبثية لا دين لها، ولا تمت للوطن بصلة، فالحروب التي تُخاض من أجل الوطن لا تكون بين أبنائه، بل ضد من يسلبهم أرضهم وكرامتهم. إنها عبثٌ يعلو فيه صوت الدماء، حيث يدّعي الجميع حب الوطن، بينما يغرقونه في الفوضى.

هذا الوطن بات يئن تحت وطأة الأحقاد، وأبناؤه الذين تدّعون خدمتهم يعانون الجوع والتشرد. لقد مات الكثير منهم غرباء، بعيدين عن ديارهم، يحملون في قلوبهم شوقًا لا يهدأ للعودة إلى منازلهم التي أصبحت أطلالًا.

إن من يدّعون أنهم الصفوة المباركة، ومن يقولون أنهم أنصار الفاروق وأحفاد الفاتحين، أضلوا الشعب، واستغلوا دماء الأبرياء لتحقيق أهدافهم. والآن، أصبحوا مجرد أدواتٍ بيد قوى أجنبية، كل طرفٍ يخدم مصالح من يمسك بخيوطه، وكل راية تُرفع خلفها يدٌ تحركها كيفما تشاء.

أنا يمني، لا أنتمي لأي تصنيفٍ سياسي أو ديني، ولا أؤمن بثنائيات “مع أو ضد”. كل هذه المسميات ليست سوى أقنعة تخدم أجنداتٍ خارجية.

أعيش مرارة النزوح منذ عشر سنوات، مشردٌ من منزلي، ضحية حربٍ لا يفهم أسبابها سوى المنتفعين منها. أحمل في قلبي حلمًا بوطنٍ يستحق أن يكون، وطنٍ بلا انقسامات ولا خرائط ممزقة.

في كل ليلة، أرسم في خيالي صورة لوطنٍ موحد، حيث تعود صنعاء لتزرع البهجة في وجه اليمن، وتعز تنسج خيوط الفجر ليمنٍ جديد، خالٍ من التعصب والعنصرية. أتخيل أنني أسافر بين المحافظات دون أن يستوقفني أحد ليسألني عن انتمائي، أو يفتش عن هويتي كأنني غريبٌ في أرضي.

لا أريد وطنًا يتحقق بالقوة، ولا دينًا يُفسر على مقصلة الحرب.
قولوا عني ما شئتم، فأنا أعرف ديني جيدًا، وأعلم أنه لا يبارك الدماء التي تُسفك باسمه. الدين الذي تدّعون الدفاع عنه يأمركم بالكف عن القتل، لكنكم لا تملكون منه سوى ظاهره.

لست وحدي في هذا الحلم. هناك الكثير من اليمنيين ينتظرون فجرًا لا تصنعه البنادق، وسلامًا لا تفرضه المصالح المشبوهة. نحن نشتاق إلى وطنٍ يحتضن أبناءه، إلى حياةٍ تستحق أن تُعاش. فهل من حياة؟