الحب الذي يُربّي فيك الإنسان

مقالات
الحب الذي يُربّي فيك الإنسان
عبدالرحمن الهلالي

حدث نيوز : عبدالرحمن الهلالي

الحب الحقيقي ليس وعدًا يُقال، ولا شعورًا عابرًا يُستدعى في لحظة ضعف، بل هو انتماء. هو تلك اليد الخفية التي تُعيد ترتيب فوضاك الداخلية دون أن تُحدِث ضجيجًا، وتجعلك ترى الحياة من زاوية لم تعرف أنها موجودة.

عندما يكون الحب صادقًا، فإنه يُوقظ فيك شعورًا بالمسؤولية لم تعرفه من قبل. يجعلك تسير بثبات، بوجهٍ مرفوع وقلبٍ نقي، وكأنك وُلدت من جديد في هيئة إنسان لا يشبه سابقيه. هو ذاك النور الذي يجعلك تتجنب الانجرار خلف الزيف المنتشر، خلف كل ما يبدو لامعًا لكنه في الحقيقة صدئ من الداخل.

لا يعود يلفت انتباهك ما يُعرض في الشوارع وعلى الشاشات، ولا ما يتباهى بالمظاهر الفارغة في مقاهي الحداثة أو بوابات الجامعات. فالحب حين يسكن القلب، يُغنيك عن كل بهرج مؤقت، ويجعلك تميز بين الجمال الحقيقي والتمثيل الرديء.

في زمن امتلأ بالصور والتعليقات والقلوب الافتراضية، في عصر تُباع فيه المشاعر وتُؤجر فيه الكلمات، يبقى الحب الحقيقي عملة نادرة لا تُرى إلا بالبصيرة. لا يهتم بجسد يُعرَض، ولا بصورة تُعدَّل، بل يبحث عن روح تنبض بالصدق، عن قلبٍ لا يتزين، بل يفيض حبًا دون مقابل.

هو التزام، لا يُكتب في عقود، بل يُحفر في السلوك. لا يرتبط بلحظة إعجاب، بل بسنوات من العطاء، والعمل المشترك، والحلم المُشترك. الرجل الذي يحب بصدق لا يرى في محبوبته جسدًا أو جمالًا فحسب، بل وطنًا، وسكنًا، وطمأنينة تُشبه صلاة في آخر الليل.

الحب الحقيقي لا يُنسج من رغبة، بل من قيم. لا يولد من لهفة، بل من فهم. إنه القرار الذي يجعل الحياة أكثر احتمالًا، وأكثر جمالًا.