الأزمة اليمنية: كيف تحولت الدولة إلى غنيمة بدلاً من مؤسسة لخدمة المواطنين؟

إعلان
تحليلات
الأزمة اليمنية: كيف تحولت الدولة إلى غنيمة بدلاً من مؤسسة لخدمة المواطنين؟
فيروز

منذ عقود، وكلما اجتمع السياسيون اليمنيون حول طاولة حوار أو مفاوضات أو مشاورات، يتكرر المشهد ذاته بصورة تكاد تكون نسخة مكررة من سابقاتها. تتغير الوجوه، وتتبدل الشعارات، وتتعدد أسماء المبادرات والتحالفات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في كل محطة يبقى واحداً:

من سيحكم اليمن؟

أما السؤال الأكثر أهمية، والذي ظل غائباً أو مغيباً طوال الوقت، فهو:

كيف ستُحكم الدولة؟

هنا تكمن جوهر الأزمة اليمنية.

فاليمن ليس بلداً فقيراً بالموارد، ولا شعباً عاجزاً عن البناء، ولا أرضاً خالية من الإمكانات. إنه بلد يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً من أهم المواقع في المنطقة، وثروة بشرية شابة، وتاريخاً حضارياً عريقاً، وموارد طبيعية كان يمكن أن تشكل أساساً لاقتصاد منتج ومستدام لو أُديرت بعقل الدولة لا بعقل الغنيمة.

غير أن المشكلة الأساسية لم تكن يوماً في نقص الإمكانات، بل في طبيعة النظرة إلى الدولة نفسها.

فبدلاً من التعامل معها باعتبارها مؤسسة وطنية لخدمة المواطنين وحماية مصالحهم، جرى التعامل معها باعتبارها جائزة كبرى يتنافس الجميع للفوز بها وتقاسمها.

ولهذا لم تكن أغلب الصراعات السياسية في اليمن تدور حول برامج اقتصادية أو رؤى تنموية أو مشاريع إصلاح حقيقية، بل حول سؤال واحد يتكرر باستمرار:

من يملك السلطة؟

ومن يسيطر على الموارد؟

ومن يوزع المناصب؟

حتى بدا الكرسي السياسي وكأنه الهدف النهائي، بينما غابت الدولة نفسها عن المشهد.

والمفارقة أن الجميع يتصارع على مقعد داخل حافلة منهكة تتعطل في منتصف الطريق، لكن أحداً لا يسأل عن المحرك أو الوقود أو وجهة السير.

خلال السنوات الماضية أُنفقت ملايين الدولارات على المؤتمرات والحوارات والاتفاقات السياسية. امتلأت القاعات بخطابات الشراكة الوطنية والعدالة والمواطنة المتساوية والدولة الحديثة.

لكن خلف الأبواب المغلقة كان النقاش الحقيقي يدور غالباً حول أسئلة مختلفة تماماً:

كم وزارة ستكون من نصيبنا؟

كم محافظة سنحصل عليها؟

كم منصباً عسكرياً أو أمنياً سنضمنه؟

وكم ستكون حصتنا من النفوذ والثروة؟

أما المواطن اليمني، الذي يفترض أن تكون الدولة وجدت من أجله، فقد بقي خارج المعادلة. ينتظر الخدمات، ويواجه الأزمات المعيشية، ويعيش بين أحلام مؤجلة وواقع يزداد صعوبة عاماً بعد آخر.

لقد تحولت الدولة في الوعي السياسي لدى كثير من القوى إلى غنيمة أكثر منها مسؤولية.

وأصبحت الوظيفة العامة مكافأة للولاء بدلاً من أن تكون استحقاقاً للكفاءة.

وصار النفوذ الشخصي أقوى من القانون.

وتقدمت العلاقات والوساطات على المؤسسات.

بل إن مؤسسات يفترض أن تكون فوق الصراع السياسي، كالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، جرى استنزافها في معارك النفوذ حتى أصبحت في كثير من الأحيان أدوات ضمن توازنات السياسة أكثر من كونها مؤسسات وطنية لحماية الدولة والمجتمع.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن جميع الأطراف تتحدث باسم الشعب، بينما الشعب نفسه نادراً ما يكون شريكاً حقيقياً في صناعة القرار.

الجميع يرفع شعار الوطنية.

لكن الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات.

الوطنية أن تحترم المؤسسات عندما لا تخدم مصالحك.

والوطنية أن تقبل بقواعد عادلة حتى عندما تمنح خصومك فرصة المنافسة.

والوطنية أن تحمي الدولة من أجل الجميع لا أن تحتكرها لصالح جماعة أو حزب أو فرد.

فالدول لا تُبنى بالأشخاص مهما كانت شعبيتهم، وإنما تُبنى بالمؤسسات والقوانين والضمانات التي تجعل الجميع متساوين أمام النظام العام.

ما يحتاجه اليمن اليوم ليس بطلاً جديداً، ولا تحالفاً جديداً، ولا مبادرة جديدة تحمل اسماً مختلفاً.

ما يحتاجه هو اتفاق وطني حقيقي على قواعد إدارة الدولة.

قواعد تجعل السلطة تكليفاً لا غنيمة.

والوظيفة العامة خدمة لا مكافأة.

والثروة الوطنية ملكاً لجميع المواطنين لا أداة للنفوذ.

والقانون مرجعاً أعلى من الجميع لا سلاحاً بيد الأقوى.

لقد سأل اليمنيون طويلاً: من يحكم اليمن؟

وربما آن الأوان لطرح السؤال الأهم:

كيف يمكن بناء دولة لا تدخل في أزمة جديدة كلما أراد طرف سياسي أو عسكري أو حزبي الحصول على حصة أكبر من السلطة أو الثروة؟

عندما نصل إلى إجابة حقيقية لهذا السؤال، قد نكتشف أن المشكلة لم تكن في اليمن نفسه، بل في الطريقة التي أُديرت بها الدولة، وكيف تحولت السلطة من مسؤولية وطنية إلى مشروع اقتسام دائم للنفوذ والغنائم.

المصدر: صفحة فيروز الوائلي على الفيسبوك.