سياسة إيران “الصبر الاستراتيجي”: هل تنهار أوراق طهران؟

تقرير خاص- حدث نيوز: لطالما اتسمت السياسة الخارجية الإيرانية، منذ ثورة الخميني، بمحاولة تصدير الثورة وصبغتها الشيعية، مما أثار عداءً واسعًا في المنطقة. هذه السياسات، بالإضافة إلى ما يُوصف بـ”الفاشية الديكتاتورية المتزمتة” داخليًا، عرضت طهران لعقوبات أمريكية ودولية قاسية وحصار لسنوات طويلة. في مواجهة هذا الواقع، يبدو أن إيران وجدت في “سياسة الصبر الاستراتيجي” مخرجًا، حيث عملت بهدوء على تحقيق الاكتفاء الذاتي في جوانب متعددة.
حروب إيران وقواعد الاشتباك
على الرغم من تعرض إيران لاعتداءات متكررة، بما في ذلك استهداف مباشر واغتيالات لعلماء وقيادات بارزة، إلا أنها ظلت تلتزم بـ”قواعد الاشتباك” دون ردود فعل عنيفة ومباشرة. هذه الاستراتيجية، التي يراها البعض “ضبط نفس”، ترتكز على خلق الفوضى في المنطقة عبر أدواتها وأذرعها.
“الصبر الاستراتيجي” على وشك الانتهاء
يُعتقد أن سياسة الصبر هذه قد بدأت تفقد فعاليتها، حيث سقطت “أذرع” إيران تباعًا، بدءًا بحركة حماس وحزب الله، ثم النظام السوري، والآن تتعرض لضربات قاسية تستهدف برنامجها النووي.
يُشير المحلل الاستراتيجي مراد فرفوش إلى أن فقدان إيران لأذرعها القوية في المنطقة، مثل حزب الله ونظام الأسد، قد شجع الولايات المتحدة وإسرائيل على توجيه ضربات قوية لطهران.
ويُضيف أن صبر إيران وتركها لإسرائيل لتُضعف حزب الله وتغتال قادته، وانهيار نظام الأسد، وقبلهما ترك غزة تواجه مصيرها، كل ذلك أفقد إيران خطوطها الأمامية وأهم أذرعها وهيبتها في المنطقة. ويتساءل فرفوش عن طبيعة الرد الإيراني وعمقه والأسلحة التي قد تستخدمها، وعما إذا كانت تمتلك أوراق قوة متبقية لاستعادة هيبتها ومكانتها الإقليمية، مؤكدًا أن استراتيجية الصبر الاستراتيجي قد أدت تدريجيًا إلى فقدان توازن القوى في الإقليم.
تفسيرات الضربات الإسرائيلية: محدودية أم استراتيجية؟
من جهته، يرى المحلل العسكري عبد الفتاح بردران أن محدودية الضربات الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران لا تخرج عن احتمالين:
الاحتمال الأول: أن تكون معظم قواعد الإطلاق وقدرات إيران الصاروخية قد تضررت بالفعل بفعل الضربات الإسرائيلية المتوالية والسيطرة الجوية على الأجواء الإيرانية.
الاحتمال الثاني: أن ما تحقق صاروخيًا في الأيام الأولى، وبشكل محدود لاحقًا، هو رسالة ردع “مؤلمة ومستمرة” للكيان الإسرائيلي، ويرون أنها كافية لردعه إذا استمرت بهذه الوتيرة، لأنها كفيلة بانهيار الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
يفسر بردران حالة الهدوء والتريث الإيراني على أنها انتظار استراتيجي لحسم قضية التدخل الأمريكي المباشر. فإذا تدخلت أمريكا، ستحتاج إيران إلى مخزون استراتيجي من الصواريخ لمجابهة الهجوم الأمريكي. وفي حال انكسار الهجوم الأمريكي، سينكسر معه الهجوم الإسرائيلي. ويرى بردران أن الضربات الإسرائيلية “موجعة ومؤلمة فقط”، ولم تحقق أهدافًا استراتيجية بعد، ويتم الرد عليها بنفس المفهوم، دون محاولة ضرب “كاسح” يدفع أمريكا للتدخل المباشر.
ومع ذلك، يرى بردران أن الحسابات الإيرانية قد توحي بـأخطاء استراتيجية، وربما اختراق لدوائر صنع القرار، ويُشير إلى أن الصواب يكمن في “الضرب بكل قوة وإظهار فرط قوة وفرط مخزون وفرط سيطرة” لإجبار العدو على التفكير ألف مرة قبل التدخل المباشر.
“العبث الفلسفي” في النموذج الإيراني
يصف الناشط السياسي أحمد عبده الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها “مثال حي لمفهوم العبث الفلسفي”. ويُشير إلى أن إيران، رغم امتلاكها ثروات بترولية وغازية هائلة، إلا أن ناتجها القومي الإجمالي لا يتجاوز 400 مليار دولار، وهو أقل من الناتج القومي لدولة كالإمارات. ويُرجع عبده ذلك إلى تركيز النظام الإيراني على تصدير ثورته وتمويل أذرعه على حساب شعبه، مما أدى إلى إفقار الإيرانيين وانتشار “العمالة والجاسوسية”.
يصف عبده النظام الإيراني بأنه “فاشل تمامًا” على كافة الأصعدة، وأنه “ميليشيا كبيرة” لا تختلف عن بقية الميليشيات التابعة له. ويُشير إلى الهشاشة الأمنية والاستخباراتية، وعمليات الاغتيال والتصفية المستمرة للقيادات، وضرب المنشآت العسكرية والحيوية بسهولة. ويُؤكد أن علاقات إيران سيئة مع معظم دول المنطقة، وأن برنامجها النووي، الذي استنزف نصف قرن من الجهود والعقوبات، قد “انتهى خلال أيام”.
يُشير عبده إلى “المهزلة” التي شهدتها سماء إيران، حيث حلّقت الطائرات الإسرائيلية وكأنها في غزة، مستهدفة كل شيء من منشآت نووية إلى مواقع عسكرية وقيادات. ويُبرز غياب الرد الإيراني والدفاعات الجوية، واصفًا الأمر بأنه “إعادة لسيناريو تدمير حزب الله”.
ويرى عبده أن ما حدث لا يمكن أن يكون مجرد جمع معلومات استخباراتية في ثلاثة أيام، بل هو دليل على أن الموساد كان ينتظر التنفيذ ومستعدًا له في أي وقت، وأن إسرائيل اخترقت إيران بشكل لا يمكن تصوره.
كما يُفند عبده بعض “الإكليشيهات الشائعة” عن إسرائيل، مثل عدم قدرتها على الحروب طويلة الأمد أو تحمل التكاليف البشرية أو حروب الاستنزاف. ويُشير إلى أن إسرائيل تحارب على عدة جبهات منذ 20 شهرًا، وأن الداخل الإسرائيلي أصبح مستعدًا “لخسارة أضعاف” لتحقيق أهداف وجودية. ويُوضح أن امتلاك إيران لسلاح نووي هو “تهديد وجودي” لإسرائيل، مما يبرر أي ثمن للتخلص منه. ويُشدد على أن إسرائيل لا تتأثر بالاستنزاف العسكري والاقتصادي بفضل الدعم غير المحدود من أمريكا والغرب، وحتى “خليجيًا”. ويُختتم حديثه بالإشارة إلى بيان مجموعة السبع الذي يُؤكد دعم إسرائيل ورفض امتلاك إيران للسلاح النووي.
هل ينتهي الصمت الإيراني؟
يُمكن القول أن إدارة ترامب وإسرائيل نجحتا في “خداع العالم” وما تبقى من النظام الإيراني بإظهار خلافات مصطنعة حول الحرب ضد إيران، قبل أن يأتي التدخل الأمريكي وقصف منشآت نووية يُقال إنهى البرنامج النووي الإيراني.
حتى اللحظة، لا تزال إيران في موقف الصمت وعدم الرد، رغم التوقعات برد عنيف يتوافق مع “الاعتداء السافر” على سيادتها واستقلالها وبرنامجها النووي الذي عملت عليه لعقود.
هل يعقل أن تنتهي الحرب بهذه السرعة؟ أم أن الإيرانيين سيخرجون هذه المرة عن سياسة الصبر الاستراتيجي ويفاجئون العالم برد قوي ومزلزل يتوافق مع تهديداتهم السابقة والحالية؟
وقف إطلاق النار
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الاثنين، 24 يونيو، عن وقف فوري لإطلاق النار بين إيران وإسرائيل، وذلك بعد تصاعد غير مسبوق في حدة التوترات وتبادل عنيف للقصف بين الطرفين الذي سبق الإعلان. يأتي هذا الإعلان عقب فترة من التصعيد العسكري الذي شهد استهدافات متبادلة ومكثفة، حيث بدأت الهدنة رسميًا صباح يومنا هذا، الثلاثاء. هذا التطور يأتي على خلفية التقرير السابق الذي يناقش “الصبر الاستراتيجي” الإيراني، ويُثير تساؤلات جدية حول مدى تأثيره على المشهد الإقليمي، ومستقبل العلاقات بين الأطراف المعنية، ومصير البرنامج النووي الإيراني في ظل هذا الاتفاق المفاجئ.
تقرير خاص لـ حدث نيوز بقلم: لؤي العزعزي

