أميمة.. يمنية تُعيد تعريف الشجاعة.. امرأة تواجه الموت والأعراف في حقول الألغام

في قلب اليمن المُثقل بآثار الحرب الأهلية، تبرز قصة امرأة استثنائية تتحدى واقعًا مريرًا وتقاليد راسخة. إنها أميمة محمد المتوكل، من صنعاء التي عاشت في لحج، وهي واحدة من عشرات الشخصيات التي دربتهم الأمم المتحدة لنزع الألغام. عملت أميمة في برامج عديدة لنزع الألغام، أبرزها برنامج “مسام”، لتخوض غمار مهمة إنسانية بالغة الخطورة: حماية الأرواح من مخلفات الحرب القاتلة، من الألغام المضادة للأفراد والمدرعات التي تهدد حياة اليمنيين في كل لحظة.
تحت لهيب الشمس الحارقة، وبيدين عاريتين منقوشتين بالإنسانية ومحملتين بمسؤولية عظيمة، تقترب أميمة من الموت شبرًا تلو الآخر كل يوم. عملها النبيل في تطهير الأرض من هذه الأسلحة الصامتة لا يحمي الأرواح فحسب، بل يزرع الأمل في مستقبل آمن لأجيال قادمة في بلد مزقته الصراعات.
إلا أن طريق أميمة لم يكن مفروشًا بالورود. ففي مجتمع يمني عريق بتقاليده وعاداته، واجهت تحديات جمة لم تقتصر على صعوبة المهمة وخطورتها، بل امتدت لتشمل نظرة المجتمع المحافظة لدور المرأة، تلك النظرة التي كادت أن تحول بينها وبين تحقيق طموحها الإنساني. وقد تعرضت أميمة قبل فترة لاتّهامات عديدة لمجرد كون لقبها “المتوكل”.
تسترجع أميمة بداياتها قائلة: “بعد الثانوية، طمحت لدراسة العلوم العسكرية في الخارج، وهو تخصص لم يكن متاحًا في اليمن. وخلال سنوات انتظاري للحصول على منحة، بدأت العمل كموظفة إدارية في مركز إزالة الألغام.”
لكن طموحها الأكاديمي اصطدم بجدار التقاليد. لم تُمنح أميمة الفرصة للدراسة ليس لنقص في قدراتها أو استحقاقها، بل لأنها امرأة. كيف لها أن تسافر وحيدة دون محرم في مجتمع يقيّد حركة النساء؟ وكيف يُنظر إليها كامرأة تسعى لدخول مجال يعتبر حكرًا على الرجال؟ وكما قال أحدهم بأسف يعكس تلك النظرة: “هي دجاجة وحولها الذئاب!”
رحلة من النضال والتحدي
“عملي الإداري أيقظ في داخلي شغفًا قويًا للمشاركة بشكل مباشر في العمل الإنساني من خلال إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة،” تضيف أميمة، “لكن معرفتي كانت محدودة بأنواع قليلة من الألغام وطرق التوعية بمخاطرها.”
ورغم كل هذه العقبات، لم تفقد أميمة إنسانيتها وطموحها الكبير. استمرت في النضال من أجل حماية أرواح أولئك الذين ربما قيدوا حريتها وحقوقها. وبإصرارها وعزيمتها، استطاعت أن تكسب ثقة كبار الضباط في مركز إزالة الألغام، وتحصل على موافقة عائلتها على خوض هذا المجال الصعب، لتثبت أن الإرادة الصلبة قادرة على تذليل أصعب العقبات.
“العادات والتقاليد المقبولة يمكن أن تقيد أحلام المرأة، وهذا ما عشته بشكل يومي. حتى بعض زملائي الذكور نصحوني بألا أحلم كثيرًا،” تقول أميمة بحرقة، “لكن لا يوجد حد لطموحي، وقد تمكنت بفضل الله من تحقيق معظم ما كنت أحلم به.”
اليوم، تعمل أميمة في مجال لطالما احتكره الرجال، متحدية بذلك النظرة المجتمعية التي تقلل من شأن المرأة وتعتبرها سلعة ضعيفة.
هي تقف شامخة تحت أشعة الشمس الحارقة في بلدها الذي مزقته الحرب، تنقذ يوميًا عشرات الأرواح التي قد تزهق لولا شجاعتها وحملها للجهاز الثقيل الذي يكشف عن الألغام القاتلة.
“على الرغم من أن الناس يرونني شجاعة جدًا عندما أعطل الألغام والأجهزة المتفجرة بيدي العاريتين، فإنني أشعر ببعض الخوف كل يوم، ولكنه يختفي عندما أبدأ العمل،” تعترف أميمة، وتضيف: “أجد أن لدي هدفًا، وهو إنقاذ الأرواح، وهذا يمنحني الشجاعة.”
وتعبر عن فخرها وسعادتها الغامرة لكونها أول امرأة تعمل في إزالة الألغام في اليمن بأكمله، معربة عن أملها في انضمام المزيد من النساء إلى هذا المجال الإنساني النبيل. وتصف شعورها عند تحقيق “النصر” على شيء يلحق أضرارًا جسيمة بالإنسان والحيوان في المجتمعات المنكوبة بأنه “شعور لا يوصف”. “أشعر كأنني بطلة تدافع عما هو صواب. العمل الذي أقوم به له تأثير إيجابي على المجتمعات التي هي في أمس الحاجة إليه.”
جهود إنسانية مُثمرة
إن جهود أميمة وغيرها من العاملين في مجال نزع الألغام في اليمن تتم من خلال مشروع نزع الألغام الطارئ التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبدعم من دول مانحة مثل ألمانيا. يهدف هذا المشروع الحيوي إلى تبني تدابير وقائية واستجابية شاملة، تشمل التوعية بمخاطر الألغام، ومساعدة الضحايا، وإجراء مسوحات للذخائر المتفجرة، وعمليات التطهير، وذلك للمساهمة في بناء يمن آمن للجميع.
كما يسعى المشروع إلى تعزيز قدرات الكيانات اليمنية المعنية بمكافحة الألغام، مثل اللجنة الوطنية لمكافحة الألغام والمركز التنفيذي اليمني للأعمال المتعلقة بالألغام والمركز اليمني لتنسيق الأعمال المتعلقة بالألغام، لتمكينها من توفير حماية أفضل للمواطنين والمجتمعات.
تحية إجلال وتقدير لأميمة السلام، هذه المرأة اليمنية الفذة التي تكتب بيديها قصة شجاعة وإنسانية في زمن الحرب، وتزرع الأمل في أرض عانت الكثير. إنها بحق حفيدة بلقيس، رمز العظمة والقوة في تاريخ اليمن، ورمز للمرأة اليمنية الصامدة التي تتحدى الصعاب من أجل مستقبل أفضل.
المصدر : حدث نيوز : لؤي العزعزي

