مؤتمر شباب تعز: طموحات التنمية تصطدم بجدل الفساد والانقسام

تعز خاص- حدث نيوز: في مدينة تعز، التي تعصف بها الحرب والحصار، انطلقت اليوم الاثنين أعمال المؤتمر الأول للشباب تحت شعار “تنمية يقودها الشباب”. يُعقد المؤتمر برعاية رفيعة المستوى من رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، ورئيس مجلس الوزراء الأستاذ سالم بن بريك، وبدعم سخي من مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، والسفارة الفرنسية في اليمن، ووزارة الشباب والرياضة.
منصة حوارية لتمكين الشباب في تعز
شهد افتتاح المؤتمر حضورًا واسعًا من ممثلي السلطة المحلية، القيادات الشبابية، منظمات المجتمع المدني، والشخصيات الأكاديمية والإعلامية. يمثل هذا الحدث منصة حوارية هي الأولى من نوعها في المحافظة، ويهدف إلى تمكين الشباب وتعزيز مشاركتهم في مسيرة التنمية وصناعة القرار.
أكد إبراهيم الجبري، رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر، في كلمته الافتتاحية، أن هذا “الحدث الاستثنائي الذي تشكل في زمن الحرب والحصار لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة جهد شاق استمر لأكثر من عام ونصف”. وأشار الجبري إلى أن “أكثر من 35 فعالية ونشاط سبقوا هذا اليوم، ناقش فيها الشباب كل القضايا المصيرية”.
يهدف المؤتمر بشكل رئيسي إلى تمكين الشباب من الإبداع، وتوفير مساحات آمنة لتطوير طاقاتهم في مجالات التعليم، والاقتصاد، والثقافة، والفن، والرياضة. كما يسعى المؤتمر إلى تحديث المنظومة التعليمية، وتعزيز حضور الشباب في القرار الوطني، والتصدي لمشاريع الإقصاء والتضليل والتجهيل التي تعيق تقدمهم.
دعم دولي وتعهدات محلية
من جانبها، أوضحت ميادة البيضاني، مديرة برامج مؤسسة فريدريش إيبرت في اليمن، أن دعم المؤسسة لهذا المؤتمر هو امتداد لشراكة طويلة بدأت منذ عام 2013، مؤكدة أن الشباب هم الشركاء الحقيقيون في التغيير. ووصفت البيضاني المؤتمر بأنه “انطلاقة تاريخية” تهدف إلى “أن يكون صوتًا للشباب الذين طالما كانوا الحلقة الأضعف في نزاعات لم يختاروها”، مشددة على أهمية تحويل التحديات، وخاصة ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، إلى فرص.
عبرت السفيرة الفرنسية لدى اليمن، كاترين قرم كمون، التي شاركت عن بعد، عن دعم بلادها الكامل للشباب اليمني، مشيدة بـ”الديناميكية والحيوية التي يتمتع بها شباب تعز، رجالًا ونساءً، وسعيهم للمشاركة الفاعلة في مختلف القطاعات”.
أكد محافظ تعز، نبيل شمسان، أن المؤتمر “يجسد روح الأمل، ويعبر عن إيماننا العميق بدور الشباب في صناعة الحاضر وبناء المستقبل”. ووعد بالعمل على إنشاء منصة شبابية تنسيقية دائمة في المحافظة، تكون حلقة وصل بين الشباب والسلطة، و”تضم ممثلين عن مختلف المبادرات والحركات الشبابية، لتقديم رؤاهم ومتابعة تنفيذ المقترحات على أرض الواقع”.
بدوره، أكد الدكتور منير لمع، وكيل وزارة الشباب والرياضة لقطاع الشباب، التزام الوزارة بدعم الشباب من خلال السياسات والبرامج التي تضمن لهم بيئة آمنة للتعبير والمشاركة، معتبرًا المؤتمر “خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تمكين الشباب ودمجهم في جهود التنمية”.
أصوات الشباب والمرأة: دعوات للتجاوز والبناء
في كلمة الشباب، شدد عبدالسلام القيسي على أهمية إدراك الشباب لدورهم في “معركة التحرير وبناء الدولة”، داعيًا إلى تجاوز الخلافات السياسية والمناطقية، ومؤكدًا أن “نجاح تعز في هذا المشروع سيمثل نموذجًا وطنيًا يحتذى به في بقية المحافظات”.
أما كلمة المرأة، التي ألقتها عضوة اللجنة التحضيرية الناشطة داليا محمد، فقد أكدت على الدور الريادي للنساء في مختلف مراحل النضال، وضرورة إشراكهن في صياغة الحلول لقضايا الشباب والمجتمع. وأشارت إلى أن المؤتمر يمثل “مساحة حقيقية لرسم معالم المستقبل، خاصة في ظل الوضع الخدمي المتردي في تعز من كهرباء ومياه وتعليم وصحة”.
خلال الجلسة الثانية، تم تخصيص وقت لمناقشة آلية توزيع المشاركين على الورش التخصصية، مع تقديم شرح مفصل حول محتوى هذه الورش وأهدافها، لضمان فهم مشترك لسير العمل وآليات التفاعل داخل كل ورشة.
جدل حاد يكتنف المؤتمر: تطلعات وآراء متضاربة
لم يمر المؤتمر دون إثارة جدل واسع في الأوساط المحلية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تباينت الآراء بين مؤيد يرى فيه بصيص أمل، ومعارض يعتبره مجرد واجهة.
سارة الذبحاني، الكاتبة والناشطة، عبرت عن خيبة أملها، واصفة المؤتمر بأنه “جنين مشوه” نتيجة ما أسمته “أدوار التمثيل” التي مارسها بعض أعضاء اللجنة التحضيرية. واتهمت الذبحاني اللجنة بـ”حرف المؤتمر إلى لقاء خطابي يُدار بدكتاتورية” ومحاولة “التأثير على حرية رفض التجديد للجنة التحضيرية” لعامين قادمين، واصفة ذلك بـ”الفساد القيمي والأخلاقي”.
في المقابل، دافع محمد عبدالإله عن المؤتمر بشدة، مستنكرًا هجوم “عيال أحزاب المحاصصة” الذين “خائفين من تطلعات الشباب وآمالهم”. وأكد أن المؤتمر “لم يصادر إيرادات المحافظة، ولم ينهب حقوق المواطنين”، داعيًا المنتقدين إلى التركيز على مصير الأموال التي صُرفت على مشاريع وهمية للمنظمات.
كما شارك أيمن العديني بمجموعة من التساؤلات اللاذعة، مستغربًا إقامة مؤتمر “باسم الشباب، دون أن يُعطى الشباب حقهم في التعبير أو القرار”. وأشار إلى التناقض بين حضور المحافظ وبين واقع المحافظة التي “تئنّ تحت وطأة الفقر، وانعدام الخدمات، وانطفاء الأمل”. وطالب العديني بـ”مؤتمر في الشارع، لا على المنصات”، مؤكدًا الحاجة إلى “من يصنع فرقًا على الأرض” بدلاً من مجرد شعارات.
وبنبرة تشكيكية وتحريضية، تساءل عبدالله العديني عن موقف “حزب الإصلاح وحزب الرشاد وحزب السلم والتنمية” من المؤتمر الذي وصفه بـ”مؤتمر العملاء” و”مصفوفة تقتلع الإسلام من جذوره”، متسائلًا عن دور هذه الأحزاب الإسلامية المشاركة في السلطة.
استقالة مؤثرة: الكشف عن خلافات داخلية
في تطور يعكس عمق الخلافات، أعلن ماهر العبسي، أحد أعضاء اللجنة التحضيرية ورئيس اللجنة الفنية للمؤتمر، استقالته رسميًا بتاريخ 26 مايو 2025. وبرر العبسي استقالته بـ”تغيرًا مؤسفًا في نهج العمل، حيث طغى الأسلوب الفردي في اتخاذ القرارات، وتكررت مخالفة ما تم الاتفاق عليه بمحاضر رسمية”. وأكد العبسي أنه فوجئ بـ”افتتاح المؤتمر اليوم وفق أجندة مختلفة عن ما تم التوافق عليه، وبقرارات وترتيبات تم اتخاذها دون علم اللجنة التحضيرية”، معتبرًا ذلك “تجاوزًا واضحًا لكل ما تم إنجازه”.
“مسرحية هزلية” أم “انتهازية إيجابية”؟
تصاعدت حدة الانتقادات مع وصف باسم الأكحلي للمؤتمر بأنه “مسرحية هزلية في جنازة مدينة تُعاني من الفساد وانعدام الخدمات”. اتهم الأكحلي المؤتمر بأنه “يُستخدم لتلميع السياسيين وتحقيق مصالحهم الشخصية”، مشددًا على أن “المواطنين بحاجة لسلطة مسؤولة وخدمات حقيقية، لا لمؤتمرات فارغة تُعقد لتوزيع المناصب والاستفادة من الأموال العامة”. واعتبر أن المؤتمر “لا يوفر ماء، لا يخفف من انقطاع الكهرباء، لا يزيل القمامة من الشوارع، ولا يعالج المرضى”، بل هو مجرد “مهرجان صوتي يُقام لتضليل المواطن، وتمكين ‘النشطاء’ من الحصول على لقب ‘ممثلين عن الشباب’ كي يقفزوا من فوق صفوف العاطلين إلى كراسي المناصب”.
في المقابل، قدم عبدالله المعمري زاوية تحليل مختلفة، معتبرًا أن المشكلة تكمن في “افتقار المجتمع لانتهازية إيجابية”؛ أي استغلال الفرص لإحداث تغيير في المشهد وإعادة صياغة المعادلة بين السلطة والمواطن. وأشار إلى أن الهجوم على جهود الشباب التي تهدف إلى إحداث تغيير، هو ما يعيق القضاء على الفساد. كما تساءل المعمري عن منطقية انتقاد حضور المحافظ للمؤتمر، مؤكدًا أن السخط على المحافظ قد تحول بشكل غير مبرر نحو الشباب. وختم المعمري بأن “إدارة المواضيع في تعز بذات الطريقة والعقلية منذ سنوات… ما أثمرت شيئًا سوى ذهاب الوضع من سيء لأسوأ”، داعيًا إلى تغيير في التعاطي والتفكير لتحقيق نتائج ملموسة.
يبقى التساؤل قائمًا: هل ستتمكن اللجنة المنظمة من تجاوز هذه الانتقادات والخلافات الداخلية، وتحويل مؤتمر الشباب في تعز من مجرد لقاء خطابي إلى منصة حقيقية تُحدث فرقًا ملموسًا في حياة شباب المحافظة ومستقبلها؟
تقرير خاص لـ حدث نيوز

