الحوار الوطني اليمني: بين آمال بناء الدولة وتحديات الواقع

عندما انطلقت أعمال مؤتمر الحوار الوطني في اليمن عام 2013، عُلقت عليه آمال واسعة باعتباره محطة مفصلية لإعادة صياغة مستقبل البلاد بعد الأحداث السياسية التي شهدتها اليمن في عام 2011. وقد قُدم المؤتمر بوصفه إطاراً جامعاً للقوى السياسية والاجتماعية المختلفة، وفرصة لمعالجة القضايا الوطنية المزمنة ووضع أسس دولة حديثة تقوم على الشراكة وسيادة القانون.
غير أن السنوات اللاحقة أثارت تساؤلات واسعة حول مدى قدرة مخرجات الحوار على تحقيق الأهداف التي أُعلن عنها، خاصة في ظل التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد لاحقاً، وانزلاقها إلى صراع واسع النطاق ما زالت آثاره مستمرة حتى اليوم.
ويرى مراقبون أن المبادرة الخليجية والحوار الوطني نجحا في توفير مخرج سياسي مرحلي من الأزمة التي كانت تعيشها البلاد آنذاك، إلا أن تحديات بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار السياسي ظلت قائمة. ويعتقد بعض المنتقدين أن التركيز انصب بدرجة كبيرة على ترتيبات المرحلة الانتقالية وتقاسم الصلاحيات، في حين لم تحظِ الملفات المعيشية والاقتصادية بنفس القدر من الاهتمام الذي كان يتطلع إليه المواطنون.
وخلال فترة انعقاد الحوار، كانت البلاد تواجه تحديات اقتصادية متزايدة تمثلت في ارتفاع معدلات البطالة والفقر وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما انشغلت القوى السياسية بمناقشة قضايا دستورية وهيكلية معقدة، كان قطاع واسع من المواطنين ينتظر حلولاً ملموسة لأزماته اليومية.
كما كشف النقاش حول شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي عن وجود تباينات عميقة في الرؤى بين المكونات المختلفة المشاركة في الحوار. ففي الوقت الذي طُرحت فيه مفاهيم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية كأهداف رئيسية، استمرت الخلافات السياسية والمناطقية والحزبية في التأثير على المشهد العام.
وأثار مشروع الدولة الاتحادية وتقسيم الأقاليم نقاشات واسعة بين مؤيدين اعتبروه وسيلة لمعالجة الاختلالات التنموية والإدارية، ومعارضين رأوا فيه مشروعاً قد يخلق تحديات جديدة تتعلق بتوزيع الموارد والنفوذ والعلاقات بين المكونات المختلفة.
وعلى الصعيد الأمني، واجهت الدولة آنذاك تحديات كبيرة نتيجة تعدد مراكز القوة ووجود تشكيلات مسلحة خارج الإطار المؤسسي الكامل للدولة. ويرى محللون أن تنفيذ مخرجات الحوار كان يتطلب بيئة أكثر استقراراً ومؤسسات أكثر قدرة على فرض سلطتها على كامل الأراضي اليمنية.
ومع تصاعد التوترات السياسية والأمنية، شهدت البلاد تحولات متسارعة استفادت منها جماعة الحوثيين لتوسيع نفوذها، مستفيدة من عوامل متعددة شملت حالة الاستقطاب السياسي وضعف مؤسسات الدولة والتعقيدات الإقليمية المرتبطة بالملف اليمني. ويؤكد خبراء أن تفسير ما جرى لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل يرتبط بمجموعة من المتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية المتشابكة.
كما أدى تعقد المشهد اليمني إلى تزايد الحضور الإقليمي والدولي في الملف اليمني، الأمر الذي جعل مسارات الحل والتسوية أكثر ارتباطاً بالتوازنات الخارجية، بالتوازي مع استمرار الانقسامات الداخلية.
ويرى متابعون أن أحد أبرز التحديات التي واجهت مخرجات الحوار الوطني تمثل في الفجوة بين الطموحات النظرية وإمكانات التنفيذ على أرض الواقع. فإعادة بناء مؤسسات الدولة وإصلاح الاقتصاد وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية كانت تتطلب موارد كبيرة واستقراراً سياسياً مستداماً لم يكن متوفراً في تلك المرحلة.
كما لعب الإعلام الحزبي والسياسي دوراً مؤثراً في تعميق حالة الاستقطاب، حيث قدمت أطراف مختلفة مخرجات الحوار من زوايا متباينة تعكس مصالحها ورؤيتها الخاصة، ما ساهم في تعقيد عملية بناء توافق وطني واسع حول مستقبل البلاد.
وبعد أكثر من عقد على انعقاد الحوار الوطني، ما تزال تقييمات التجربة محل نقاش بين الباحثين والسياسيين. فهناك من يرى أن المؤتمر قدم رؤية شاملة لمعالجة كثير من القضايا الوطنية لكنه اصطدم بواقع سياسي وأمني معقد، بينما يعتبر آخرون أن بعض جوانب التصميم والتنفيذ أسهمت في إضعاف فرص نجاحه.
وفي جميع الأحوال، يبقى المواطن اليمني الأكثر تأثراً بنتائج تلك المرحلة وما أعقبها من تطورات. وبين الآمال التي صاحبت الحوار الوطني والتحديات التي واجهت تنفيذ مخرجاته، ما يزال اليمنيون يتطلعون إلى مشروع وطني قادر على إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار والتنمية بعيداً عن الصراعات والانقسامات التي أنهكت البلاد.
المصدر : صفحة فيروز الوائلي على الفيسبوك

