«عامان بلا راتب».. كيف انتقل جنود من حدود اليمن والسعودية إلى المعسكرات الروسية؟

إعلان
قصص
«عامان بلا راتب».. كيف انتقل جنود من حدود ...
الصورة تعبيرية مولده بالذكاء الاصطناعي

في إحدى الليالي الباردة على الحدود، جلس الجندي اليمني أمام هاتفه المحمول ينتظر اتصالًا من أسرته. لم يكن ينتظر خبرًا سعيدًا، بل كان يخشى المكالمة أكثر مما يترقبها. فعلى الطرف الآخر كانت زوجته تحاول إخفاء قلقها، بينما كان أطفاله ينتظرون ما يسد احتياجاتهم الأساسية.

رن الهاتف أخيرًا.

جاءه صوت زوجته مترددًا:

“ابنك مريض منذ أيام… والصيدلية تطلب ثمن الدواء.”

ساد الصمت.

لم يكن يملك ما يرسله. لم يتسلم راتبًا منذ أشهر طويلة، بينما كانت الديون تتراكم والأعباء تزداد يومًا بعد يوم.

أنهى المكالمة، وأعاد الهاتف إلى جيبه، ثم نظر نحو الصحراء الممتدة أمامه. لم يكن يدرك حينها أن تلك اللحظة ستكون بداية طريق طويل سيقوده بعد أشهر إلى آلاف الكيلومترات بعيدًا عن الحدود، نحو معسكرات في روسيا.

هذه ليست قصة جندي واحد، بل رواية تتكرر بأسماء مختلفة بين عدد من الجنود الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع اقتصادي ومعيشي بالغ الصعوبة، دفع بعضهم إلى البحث عن خيارات لم يكونوا يتخيلون يومًا أنهم سيسلكونها.

عروض مالية وجنسية روسية تستقطب يمنيين للمشاركة في الحرب بأوكرانيا

حياة على الهامش

على امتداد المناطق الحدودية، يعيش الجنود في مواقع معزولة عن المدن والقرى. أيام طويلة تمر بين المناوبات والحراسة والواجبات العسكرية المختلفة.

في تلك المواقع، يصبح الراتب أكثر من مجرد مبلغ مالي.

اقرا ايضا:

تأخر رواتب الجيش اليمني على الحدود يسرق فرحة العيد من أسر الجنود

صرف رواتب الحشد الجديد في الفرقة السادسة قوات الطوارئ بصعدة عبر بنك القطيبي

إنه شريان الحياة الوحيد الذي يربط الجندي بأسرته.

فمعظم الجنود ينتمون إلى أسر محدودة الدخل، ويعتمد أفراد عائلاتهم بشكل شبه كامل على ما يرسله لهم شهريًا.

لكن عندما يتوقف هذا المصدر، تبدأ الأزمة الحقيقية.

بحسب روايات متداولة بين الجنود، تحولت مشكلة تأخر الرواتب إلى أزمة مزمنة استمرت لفترات طويلة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياتهم وأوضاع أسرهم.

يقول أحد الجنود:

“في البداية كنا نعتقد أنها مجرد أيام أو أسابيع، ثم أصبحت أشهرًا، وبعدها لم نعد نعرف متى سيأتي الراتب.”

ومع مرور الوقت، بدأت آثار الأزمة تظهر بوضوح.

  • ديون متراكمة.
  • إيجارات متأخرة.
  • احتياجات دراسية للأبناء.
  • فواتير علاج.
  • ومتطلبات معيشية لا تتوقف.

معاناة تتجاوز المال

لم تكن الأزمة المالية وحدها محور الحديث بين الجنود.

فالكثير منهم يتحدثون عن تحديات أخرى مرتبطة بظروف الحياة اليومية داخل المواقع الحدودية.

ويشير بعضهم إلى صعوبات تتعلق بالإمدادات والخدمات الأساسية والرعاية الصحية، إضافة إلى شعور متزايد بالإهمال وعدم الاهتمام الكافي بأوضاعهم المعيشية.

يقول أحدهم:

“كنا نتحمل كل شيء لأننا نؤمن بواجبنا، لكن المشكلة أن الإنسان له حدود، وعندما يشعر أن معاناته لا تجد من يسمعها يبدأ بالتفكير في خيارات أخرى.”

ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة تتعلق بالصبر أو التحمل فقط، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الجندي على إعالة أسرته.

عندما يصبح الهاتف مصدرًا للخوف

كان الاتصال القادم من المنزل يمثل لحظة قلق حقيقية للكثير من الجنود.

في كل مرة يرن الهاتف، يكون السؤال ذاته حاضرًا:

ماذا يريدون هذه المرة؟

  • رسوم مدرسة؟
  • تكلفة علاج؟
  • إيجار منزل؟
  • دين متراكم؟

كان كثيرون يشعرون بالعجز.

وهو شعور قاسٍ بالنسبة لرجل اعتاد أن يكون المسؤول الأول عن أسرته.

أحد الجنود قال:

“كنا نستطيع تحمل الجوع والتعب، لكننا لم نستطع تحمل شعور العجز أمام أطفالنا.”

بداية الحديث عن البديل

في أوقات الفراغ القليلة، كانت الأحاديث تدور بين الجنود حول مستقبلهم.

في البداية كانت مجرد شكاوى.

ثم تحولت إلى نقاشات.

ثم بدأت تظهر أسماء دول وفرص وعقود عمل ورواتب أعلى.

كان بعض الجنود يرفضون الفكرة تمامًا.

ويرى آخرون أنها مجرد أوهام.

لكن مع استمرار الأزمة، بدأ كثيرون ينظرون إليها بجدية أكبر.

لم يكن الدافع سياسيًا بالنسبة للكثير منهم.

بل كان اقتصاديًا بالدرجة الأولى.

الحاجة إلى مصدر دخل ثابت.

والرغبة في إنقاذ أسرهم من الضائقة المالية.

والبحث عن فرصة توفر لهم قدرًا من الاستقرار.

قرار لم يكن سهلًا

ترك المكان الذي أمضى فيه الإنسان سنوات من عمره ليس أمرًا بسيطًا.

فالجنود الذين فكروا في الرحيل كانوا يدركون حجم المخاطر والتحديات.

كانوا يعرفون أنهم مقبلون على تجربة مختلفة بالكامل.

بلد جديد.

لغة مختلفة.

ثقافة مختلفة.

ومستقبل مجهول.

ومع ذلك، رأى بعضهم أن البقاء في الوضع القائم أصبح أكثر صعوبة من خوض المجهول.

يقول أحدهم:

“لم نكن نبحث عن مغامرة… كنا نبحث عن فرصة للحياة.”

الرحلة إلى الشمال

عندما بدأت إجراءات السفر، كان الشعور مختلطًا بين الخوف والأمل.

الخوف من المجهول.

والأمل في تحسين الأوضاع.

غادر بعض الجنود الحدود وهم يحملون حقائب صغيرة، لكنهم كانوا يحملون معهم همومًا أكبر بكثير.

تركوا خلفهم أسرًا تنتظر.

وأطفالًا يأملون أن تتحسن أحوالهم.

وزوجات يعلقن آمالًا كبيرة على تلك الرحلة.

كانت الوعود تتحدث عن رواتب أعلى.

وعقود أكثر استقرارًا.

ومزايا أفضل.

وحقوق أوضح.

وهو ما جعل الكثيرين ينظرون إلى تلك الفرصة باعتبارها بداية جديدة.

الصدمة الأولى

عند الوصول إلى روسيا، كانت المفاجأة الأولى هي الطقس.

فالفارق بين حرارة الصحراء وبرودة الشتاء الروسي كان هائلًا.

لكن التحدي الأكبر لم يكن المناخ.

بل الشعور بالغربة.

لغة لا يفهمونها.

وجوه لم يعتادوا عليها.

وبيئة مختلفة بالكامل.

وجد الجنود أنفسهم أمام واقع جديد يتطلب التأقلم السريع.

وكان عليهم أن يبدأوا حياة مختلفة بعيدًا عن كل ما عرفوه سابقًا.

الحنين إلى الوطن

رغم كل الظروف التي دفعتهم إلى الرحيل، ظل الوطن حاضرًا في أحاديثهم اليومية.

كانوا يتحدثون عن قراهم.

وأسرهم.

وأطفالهم.

وأصدقائهم.

والأماكن التي نشأوا فيها.

لم يكن أحد منهم يتحدث عن روسيا باعتبارها وطنًا جديدًا.

بل باعتبارها محطة فرضتها الظروف.

ويقول أحدهم:

“يمكن للإنسان أن يسافر آلاف الكيلومترات، لكن قلبه يبقى معلقًا في المكان الذي ترك فيه أسرته.”

سؤال أكبر من الجميع

تكشف هذه القصة جانبًا إنسانيًا معقدًا من حياة الجنود الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الظروف الاقتصادية وسندان المسؤوليات الأسرية.

فحين تتأخر الرواتب لفترات طويلة، وتزداد الأعباء المعيشية، ويشعر الإنسان بأن جهده وتضحياته لا تنعكس على حياته اليومية، تبدأ الأسئلة الصعبة بالظهور.

كيف يمكن للجندي أن يواصل أداء واجبه بينما تعاني أسرته من ضائقة معيشية؟

وإلى أي مدى يمكن للإنسان أن يتحمل قبل أن يبحث عن بديل؟

وهل كان الرحيل خيارًا حقيقيًا أم نتيجة طبيعية لظروف استثنائية؟

خاتمة

قد تختلف الآراء حول القرارات التي اتخذها هؤلاء الجنود، وقد تتباين الروايات حول تفاصيل رحلاتهم ودوافعهم، لكن ما لا يختلف عليه كثيرون هو أن الضغوط الاقتصادية والمعيشية كانت عاملًا مؤثرًا في تشكيل تلك الخيارات.

ومن خلف آلاف الكيلومترات التي تفصل بين الحدود والصقيع الروسي، تبقى هناك حكايات إنسانية لم تكتمل فصولها بعد.

حكايات رجال خرجوا بحثًا عن راتبٍ يعيل أسرة، ودواءٍ لمريض، ومستقبلٍ أكثر استقرارًا لأطفال ينتظرون عودتهم.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

كم من المسافات يمكن أن يقطعها الإنسان عندما تدفعه الحاجة إلى الرحيل؟

المصدر: خاص – منصة حدث نيوز .