عدن: مدينة يمنية لكل اليمنيين، لا ساحة للعنصرية والتشفي

عدن، ثغر اليمن الباسم، المدينة التي طالما ارتبطت في وجدان اليمنيين بالجمال والانفتاح، تحولت في تجربة قضائية حديثة إلى ساحة للتساؤلات المرة حول مفهوم الوحدة الوطنية، في ظل ممارسات مناطقية وعنصرية لا تليق بمكانتها كقلب نابض لليمن.
قضى القاضي عبدالوهاب قطران أحد عشر يومًا في عدن، باحثًا عن السكينة والهدوء بعد فترة من الضيق والسجن. غير أن رحلته، التي كان يأمل فيها استعادة عافيته النفسية، انتهت بوجع من نوع آخر: وجع المناطقية والعنصرية التي واجهته بصمتها القاسي، وهمسها المحرض، وسلوكها القائم على الشك لا القانون.
يؤكد القاضي قطران أنه كتب عن عدن بضمير حي، لا نكاية بأحد، بل إنصافًا لحقيقة عايشها. فقد أشاد بجمال المدينة ونظافتها، وبالحياة فيها التي تبدو أقل بؤسًا من صنعاء، وبالتعامل الراقي من أهلها، وبساطة العيش، وسهولة الحركة، ورخص الأسعار، وانسيابية الكهرباء الحكومية. وقد عبر عن حبه لعدن، رغم كل ما واجهه فيها.
التعسف في نقطة ردفان: نموذج للانتقام المناطقي
لم تكن زيارة القاضي قطران خالية من المنغصات، فقد تعرض هو وأسرته للتوقيف لمدة 45 دقيقة في نقطة “ردفان” الأمنية، دون أي مسوغ قانوني. يكشف القاضي أن هذا التوقيف جاء إرضاءً لنزوة الضابط المدعو عبدالناصر العطفي، واستجابة لتحريض مباشر ومستمر من عضوة مؤتمر الحوار السابقة “ليزا الحسني”، التي استهدفته وأطفاله بحملة كراهية وعنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي طيلة أسبوع كامل، حتى وهو داخل عدن.
لا يرى القاضي قطران غرابة في تعسف ضابط أمني، فذلك بات أمرًا معتادًا في ظل الواقع الأمني المختل. لكن الغريب والمقلق هو ممارسة التعسف كأداة انتقام مناطقي. الغرابة تكمن في تفتيش الهواتف بحثًا عن منشورات “فيسبوكية” يمكن تفسيرها على أنها “حوثية”، بدلًا من البحث عن المتفجرات. والأكثر إثارة للقلق هو اهتمام أمن الدولة بـ”النميمة الفيسبوكية” أكثر من اهتمامه بتهريب السلاح والمخدرات.
اتهامات سخيفة وتهديدات علنية: ثمن قول الحقيقة
بعد أن انتقد القاضي قطران هذا التعسف في مقالين سابقين، هبّ رئيس تحرير صحيفة “الأمناء” للدفاع عن الضابط العطفي، تبعته حملة منظمة من “الذباب الإلكتروني” التابع للسلطة الأمنية في تلك النقطة. انهالت الاتهامات السخيفة على القاضي قطران، بوصفه “حوثيًا” و”مستحقًا لما جرى له”، وتحديات بـ”عدم القدرة على النزول إلى عدن مرة أخرى”، بل وصلت التهديدات إلى حد “السحل والتصفية”.
يعرب القاضي قطران عن صدمته من وصول العنصرية إلى هذا الحد، حيث يتلقى رسائل من “جنوبيين” يعتبرون دخوله إلى عدن “كرمًا منهم”، وكأن اليمنيين أصبحوا لاجئين في وطنهم، أو سياحًا غرباء. هذا المنطق يتجاهل أن عدن كانت ولا تزال مدينة يمنية تحتضن كل أطياف الوطن، لا “إمارة مغلقة يحكمها الحقد”.
تناقض المواقف: رفض الحوثي وممارسة سلوكه
يؤكد القاضي قطران على وحدة اليمن، وضرورة تجاوز الخلافات السياسية والتباينات في الآراء، دون تقسيم الناس بناءً على لهجاتهم ومناطق ولادتهم. ويكشف المفارقة الصارخة بين من يرفضون الحوثي كجماعة، لكنهم يمارسون نفس سلوكه من إقصاء وتخوين وفرز مناطقي، بل ويزيدون عليه بالتحريض العلني على القتل، رغم أن القاضي قطران نفسه عانى من ظلم الحوثيين وسجن في زنازينهم.
عدن الحقيقية: مدينة الطيبين والأحرار
على الرغم من كل هذه المعاناة، يصر القاضي قطران على أنه كتب عن عدن بإنصاف، ولم يسمح للجراح أن تحكم قلمه. تحدث عن الحياة فيها كما رآها، لا كما أراد أعداؤه أن يراها. يؤكد أن العدالة لا تعني السكوت عن القبح، ولا شيطنة الجميل، وأن الكتابة الصادقة تلتزم بمبدأ قول الحقيقة كاملة، لا مجتزأة ولا انتقائية.
يختتم القاضي قطران مقاله بالتأكيد أن عدن ليست ملكًا للعطفي ولا للحسني، ولا لأولئك الذين ظنوا أن الوطن يقاس بمكان الميلاد. عدن مدينة يمنية عظيمة، تزخر بالطيبين والأحرار أكثر بكثير من تجار الكراهية، متعهدًا بالعودة إليها دون خوف أو خجل، لأن “جريمته الوحيدة” كانت قول الحقيقة.

