تعز: مدينة تحتضر.. هل تنهض الطبقة الوسطى من ركام الانهيار؟

مقالات
تعز: مدينة تحتضر.. هل تنهض الطبقة الوسطى من ركام الانهيار؟

في شوارع تعز التي تعتريها الندوب، وتمشي فيها الأرصفة بخطى متعبة، لم تعد الأرواح تنصت لأغنية الحياة كما كانت تفعل يومًا ما. هذه المدينة التي كانت تلقب بـ”عاصمة الثقافة” و”الحاضنة المدنية للفكر والوعي”، تبدو اليوم كأنها فقدت بوصلتها، بين ركام الحرب ومخلفات الجوع، وبين ما كانت عليه، وما آلت إليه.

تعز، التي كانت مهبط الحلم، ومرتع الطموح، ودفتر المعلمين، ومحبرة الكادحين، صارت تشبه جسدًا ممددًا على سرير التاريخ، يتلوى بصمت، بينما تنهشه خناجر الإهمال، وتكبل حركته أيادي الفساد، وتثقل أنفاسه فواتير البقاء.

الطبقة الوسطى… ضمير المجتمع حين يصاب بالشلل

الطبقة الوسطى ليست مجرد تقسيم اقتصادي بين فقير وغني، إنها الميزان الذي يحفظ اتزان الوطن، وصوت الاعتدال في معادلات التطرف، وملح الحياة في مائدة الشعوب. حين تنهار، لا ينهار اقتصاد فحسب، بل تنهار فكرة الوطن المشترك، ويتآكل الإيمان بالممكن، وتذبل وردة الأمل في قلوب الأجيال.

في تعز، هذه الطبقة لم تنهار فجأة، بل ذبلت مثل شجرة حرمت من ماء العدالة سنوات. تآكلت تدريجيًا، ومع كل قصف، ومع كل راتب غائب، ومع كل مزاج سلطوي يتحكم في مصير العباد، كانت تتفتت في صمت، إلى أن سقطت أوراقها واحدة تلو الأخرى.

الأستاذ الذي كان بالأمس يشتري الكتاب ويقرأ في ضوء شمعة، ويدرّس بحماسة أنبياء الحرف، صار اليوم ينتظر تحويلًا ماليًا من أقربائه المغتربين. والموظف الذي كان يرتب بيته بمرتب متواضع، ويعلم أبناءه في المدارس الحكومية، صار لا يقوى على شراء دفتر لابنه.

أما التاجر الصغير، الذي كان يملأ رفوف دكانه بصبر، ويحلم بتوسيع متجره، فها هو اليوم يغلق أبوابه، ويتحول إلى بائع في نفس السوق الذي كان يديره، بعد أن التهمته فوضى الدولار، ونهشته أنياب السوق السوداء.

حلم يتآكل… ومجتمع يبحث عن طوق نجاة

كان حلم أبناء تعز بسيطًا، لا يحمل رفاهية المدن الكبرى، ولا طمع الأباطرة. كانوا يحلمون فقط بوطن عادل، ومدرسة آمنة، ومستشفى لا تنتزع فيه الروح قبل الدواء، ووظيفة تحفظ الكرامة، وسقف يشبه منازل الطفولة.

لكن الحلم تآكل شيئًا فشيئًا، لا لأنه مستحيل، بل لأن من بيدهم مفاتيح الواقع قد قرروا أن يغلقوا الأبواب في وجه الحالمين.
في المدينة التي كان المعلم فيها رمزًا، صار يستدين أجرة الطريق ليصل إلى مدرسته. وفي البيوت التي كانت تحتفي بالمذاكرة والكتب، صار أبناؤها يبيعون الماء في الشوارع، أو ينقلون البضائع على ظهورهم.

هل هناك انهيار أعمق من أن ترى الكرامة تتنازل عن ذاتها من أجل لقمة؟ وهل من وجع أشد من أن ترى جارك الذي كان يناقشك في الفلسفة والسياسة، ينتظر دوره في طابور الإغاثة؟

سؤال الدولة… وغموض الغياب

حين تغيب الدولة، لا تغيب القوانين وحدها، بل تغيب العدالة، وتذوب الثقة، ويتحول المواطن من شريك في الوطن، إلى مجرد ضحية تسيرها قوى الأمر الواقع. في تعز، لا أحد يعرف من يحكم تمامًا، ولا من يحاسب من، ولا إلى أين تمضي السفينة، ولا من يمسك بدفتها.

صارت المدينة مقسمة بين سلطات متعددة، وقوانين تتغير بين شارع وآخر، ومسميات فضفاضة لا تحمل من مضمون الدولة إلا العلم والنشيد.

ومع كل هذا، يطلب من المواطن أن يتحمل، ويصبر، و”يفهم المرحلة”، وكأن جوعه خيانة، أو سؤاله عن الراتب فعل تآمري. بينما الحقيقة واضحة: طبقة تنهار، وأحلام تدفن، ومدينة تتنفس تحت الركام.

نحو أمل لا يكلفنا الحلم

رغم هذا الركام، ما تزال المدينة تحيا. في كل زقاق، هناك قهوة تغلي، وصوت طفل يضحك، ورجل يبيع الخبز بابتسامة حزينة، وامرأة تحيك ثوبًا لعرس قد لا يأتي.

تعز لا تموت، لأن فيها ذاكرة. ولأن أبناءها مهما جاعوا لا يسرقون، ومهما تعروا لا يبيعون كرامتهم. إنها مدينة تربت على الحرف والكبرياء، ولا شيء يطرد الموت مثل القصيدة.

لكن الحلم، كي يعود، لا يكفيه الصبر، بل يحتاج إلى قرار. قرار من الدولة بأن تعيد الاعتبار للطبقة الوسطى، بأن تصرف الرواتب، وتنقذ التعليم، وتفتح أبواب العمل، وتكف عن التعامل مع الشعب بوصفه عبئًا، بل ككنز يجب حمايته.

في انهيار الطبقة الوسطى لا يقاس فقط حجم الفقر، بل يقاس مستوى انهيار القيم، وضعف الانتماء، وانحدار الأمل. وإذا كانت تعز هي النموذج، فالوطن كله في الطريق ما لم نوقظ فينا نخوة الدولة، وعقل الرشادة، وحلم الإصلاح.

تعز لا تريد معجزة، بل فقط عدالة تليق بها، وحياة تشبه تاريخها.

مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: غدير العقيلي