قحطان الشعبي… سيرة وطنية في وجه الاستعمار

شخصيات
قحطان الشعبي… سيرة وطنية في وجه الاستعمار
قحطان محمد الشعبي

حين تذكر مسيرة النضال اليمني في جنوب الوطن، يتصدر اسم قحطان محمد الشعبي في قائمة الرموز الذين صنعوا الاستقلال الحقيقي بوعي وصدق وإيمان بالقضية. كان من أولئك الذين آمنوا بأن التحرير ليس شعارًا، بل طريقًا طويلًا من السجون والمنافي والمواجهة الفكرية والعسكرية مع الاستعمار البريطاني. ظل حتى آخر لحظة من حياته يحمل همّ الوطن، ويدفع ثمن مواقفه من حريته وحياته.

جمع الشعبي بين الفكر والتنظيم والعمل الميداني، بين دهاء السياسي وصرامة المناضل. كان صوتا متزنا، لا يُعرف عنه الانفعال، لكنه يملك رؤية واضحة تجاه مستقبل الجنوب العربي. يرى في الوحدة اليمنية هدفًا، وفي التحرر من الوصاية الأجنبية واجبًا وطنيًا مقدسًا. شخصيته المتوازنة أكسبته احترام خصومه قبل رفاقه، وخلّدت اسمه كأول رئيس لدولة جنوب اليمن بعد الاستقلال .

صفته الأبرز هي النزاهة السياسية،إذ لم يعرف عنه استغلال منصبه،وكان حريصا على تجنب بلاده الصراعات الأيديولوجية التي مزقت الصف الوطني لاحقا.

 

المولد والنشأة والتكوين

وُلد قحطان محمد الشعبي عام 1923 في وادي شعب بمنطقة طور الباحة – الصبيحة، في أسرة ريفية متواضعة، ولم يرَ والده الذي توفي قبل ولادته بأشهر. كفله الشيخ عبد اللطيف عبد القوي الشعبي، شيخ وادي شعب، الذي تولى تربيته ورعايته، وهو والد الشهيد المناضل فيصل عبد اللطيف الشعبي.

انتقل قحطان إلى عدن ليتلقى تعليمه في مدرسة جبل حديد، والتي كانت تعرف أيضا بـ “مدرسة أولاد الأمراء”وذلك لوجود عدد من أبناء السلاطين يدرسون فيها،
ثم في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي حصل على بعثة دراسية إلى السودان، وكان التعليم حينها هناك متطورا نظرا لوقوعه تحت يد السلطات البريطانية آنذاك، ليتخرج بذلك من جامعة جوردون مهندسا زراعيا، ليصبح أول مهندس زراعي في الجزيرة العربية.

عاد إلى عدن، ومارس العمل في مجاله كمهندس زراعي، وأظهر تفوقا جعله من القلة الذين منحهم البريطانيون رتبة وظيفية رفيعة، ولم يكن حينها يحملها من أبناء الجنوب سوى ثلاثة فقط وكان قحطان اصغرهم سنا.

 

النشاط السياسي والنضالي

أنخرط منذ بداية الخمسينيات في النشاط السياسي والوطني المناهض للإستعمار البريطاني وذلك عندما كان طالبا جامعيا في السودان فقد قاد المظاهرات ووزع المنشورات المعادية للإحتلال مما جعله يتعرض للإعتقال والضرب مرارا،

وفي مطلع الخمسينات من القرن العشرين أصبح قحطان وأحدا من مؤسسي رابطة أبناء الجنوب
التي أعتبرت حينها حزبا تقدميا ووحدويا فقد كانت تطالب باستقلال الجنوب ووحدته وهي دعوة تعد متقدمة مقارنة بما كانت بعض الاحزاب تدعو إليه ومع ازدياد نشاطه السياسي كقيادي رابطي مناهض للاستعمار لاحقته القوات البريطانية في عام 1958 لاعتقاله
ولحسن حظه كان حينها موجودا في عدن فاتجه إلى منطقة “الوهط” القريبة من “الحوطة” ومن ثم غادر إلى تعز
ومن تعز اتجه للقاهرة طالبا اللجوء السياسي.

في مصر كان قد أسس المناضل فيصل عبد اللطيف الشعبي فرع حركة القوميين العرب في اليمن عام 1956م عندما كان لايزال طالبا في المرحلة الثانوية في مصر، لإينضم حينها قحطان وآخرون إلى الحركة بشكل سري..

ليقدموا استقالتهم هو وزملائه من الرابطة عام 1960 لأسباب عدة كان من أهمها أن الرابطة أنحرفت عن المبادئ والأهداف القومية وذلك لإحيائها الدعوة الانفصالية القديمة التي كانت تهدف لإقامة دولة مستقلة بعدن والامارات وليست يمنية الهوية..

نتاجه الفكري

في أكتوبر 1959 وضع قحطان وفيصل كتيبا باسم حركة القوميين العرب بعنوان ” اتحاد الامارات المزيف مؤامرة على الوحدة العربية” وكان يعتبر أهم وثيقة سياسية وطنية خلال مرحلة الاحتلال البريطاني وفي هذا الكتيب ظهرت أول دعوة لإنتهاج الكفاح المسلح وسيلة لتحرير الجنواب

وفي مايو 1962م صدر لقحطان كتابه الشهير ” الاستعمار البريطاني ومعركتنا العربية في الجنوب” وهو أهم مرجع للباحثيين عن حقيقة أوضاع الجنوب العربي في زمن الاحتلال البريطاني وكرر فيه دعوته القديمة لإقامة الجبهة القومية العسكرية على مستوى الجنوب واليمن لتعمل على اقامة نظام جمهوري في الشمال اليمني ومن ثم الانطلاق لتحرير الجنوب من الاستعمار وقد نُشر قبل 26 سبتمبر بنحو أربعة اشهر..

دوره في ثورة 14 أكتوبر

وفي العام 1963م، كان أحد أبرز مهندسي ثورة 14 أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني، إذ أسهم في تأسيس الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، وتولى دورًا محوريًا في رسم خططها السياسية والعسكرية.

أوصل بنفسه أول دعم ميداني لمقاتلي ردفان عام 1964م، مقدّمًا 25 ألف طلقة رصاص من ماله الخاص دعماً للثوار. كما شارك ميدانيًا في بعض المعارك في جبهتي ردفان والضالع، ودخل عدن متخفيًا عدة مرات رغم الملاحقة البريطانية.

لاحقًا، وبعد محاولات مصرية لتوحيد الفصائل الجنوبية تحت إطار “جبهة التحرير”، رفض الشعبي تلك الصيغة، معتبرًا أن الجبهة القومية هي التعبير الشرعي الوحيد عن الثورة المسلحة. ونتيجة موقفه، احتُجز في القاهرة مع رفيقه فيصل عبد اللطيف الشعبي حتى عام 1967، حين أفرج عنه الرئيس جمال عبد الناصر بعد مراجعة الموقف المصري.

الإستقلال وتأسيس الدولة

عاد قحطان الشعبي إلى اليمن في أغسطس 1967، في مرحلة غليان سياسي وعسكري، وكانت الجبهة القومية قد توسعت ميدانيًا في الجنوب، وأصبحت القوة الوحيدة القادرة على الإمساك بالسلطة بعد انسحاب البريطانيين.

قاد وفد الجبهة القومية إلى مفاوضات جنيف مع بريطانيا، التي انتهت بتوقيع اتفاقية الاستقلال في 29 نوفمبر 1967، وهو التوقيع الذي أنهى 129 عامًا من الاحتلال البريطاني لعدن.
وفي 30 نوفمبر 1967، أعلن الاستقلال
بعد خروج القوات البريطانية، انتُخب قحطان الشعبي رسميًا أول رئيس للجمهورية الجنوبية الشعبية، وشكّل حكومة مصغّرة برئاسته، مؤسسًا الدولة الوليدة.، هذه اللحظة كانت ذروة نضاله السياسي ومفترق طرق بين الحلم الوطني والتحديات الواقعية…

إنجازاته

يُعد التوقيع على اتفاقية جنيف أعظم إنجاز سياسي في تاريخه، إذ استطاع أن ينتزع استقلالاً كاملاً غير منقوص السيادة، في زمن كانت فيه القوى الكبرى تملي شروطها على الدول الصغيرة.
استقبله الشعب في عدن استقبال الأبطال، وسار موكب النصر من مطار خورمكسر إلى مقر الحكم في التواهي وسط هتافات الآلاف إلى جانب
تشكيل أول حكومة وطنية من 13 وزارة برئاسته يوم الاستقلال.
وإرساء أسس الدولة الحديثة على أنقاض السلطنات والمشيخات.
إطلاق برامج أولية للإصلاح الزراعي والتعليم المجاني.
محاولة بناء علاقة متوازنة مع الدول العربية بعيدًا عن التبعية لأي محور.

غير أن تلك السياسة المستقلة لم ترق لبعض القيادات اليسارية داخل الجبهة القومية، فبدأت الخلافات تتسع إلى أن أُقصي من الحكم في يونيو 1969 فيما عُرف بـ“حركة 22 يونيو التصحيحية”، ووُضع قيد الإقامة الجبرية ثم السجن حتى وفاته عام 1981 في ظروف غامضة.

يبقى قحطان محمد الشعبي رمزًا وطنيًا نادرًا جمع بين الفكر القومي والقيادة الواقعية. لم يكن طامحًا بالسلطة، بل عاش ومات من أجل فكرة الاستقلال والكرامة الوطنية.

رؤيته الأساسية كانت قيام دولة مستقلة ذات سيادة في الجنوب، تسير نحو وحدة يمنية على أسس العدالة والمواطنة.
دعا إلى بناء الإنسان قبل الجغرافيا، وإلى تعليم وطني حرّ، وإدارة عادلة للموارد، ومصالحة وطنية شاملة بعد الاستقلال.
كان يؤمن أن التحرير الحقيقي لا يكتمل إلا بالوعي، وأن أخطر استعمار هو استعمار الفكر..

 

حدث نيوز : سناء محمد