في معراج الموت: مناجاة الأجساد في سماء القصف

حدث نيوز : مالك دبوان الشرعبي
في معراج الموت، حين تصعد الأجساد إلى سماء القصف، تأخذ المدينة لونًا رماديًا باهتًا، كأن الحياة انسحبت منها بهدوء مريب. الغارات التي سقطت ليلاً ما تزال رائحتها معلقة في الهواء، وركامها الأسود يمتد كظلال مشوهة تسرق زرقة السماء وتشوه ملامحها. لم تعد المدينة تعرف الجمال، ولا الأشجار هنا تنتظر الخريف كي تتساقط أوراقها؛ فقد تخلت عنها قبل أوانها، كأنها استسلمت لحقيقة الموت قبل أن يصل.
لا شيء يوحي بالحياة في هذه الزاوية من العالم. حتى صوت سيارة الإسعاف صار قادراً على استفزاز القلق العميق في صدري، وكأنما التناقض نفسه قد نصب خيمته هنا. في وضح النهار، حلّ الظلام. الشمس لا تضيء، بل تتمايل مرتبكة بين الغيوم الكثيفة، والنجوم – ويا للمفارقة – ترقص في وضح الظهيرة، وكأن الكون قد اختلّ.
المنظر من حولي يفقد معناه، وكأنني أراقب نفسي من الخارج، غريباً عن هذا المشهد رغم كوني فيه. يا لها من لعنة مزمنة لا تنفك عنكِ، يا عروس الشام. كل شيء هنا ينهار، إلا الذاكرة.
لقد رأيناهم – أولئك الشهداء – يطيرون، لا كما تطير الطيور، بل كما تحلّق الملائكة، كأنهم في طريقهم إليك يا الله. رأيناهم يتجهون نحوك، بأجساد ممزقة وأرواح نقية، ثم يعودون ليقبلوا أرض الرسالة، تلك الأرض التي لم تعد قادرة حتى على احتضانهم. رغم بقايا جذورهم التي ما زالت مغروسة فيها، إلا أنهم صاروا كظلال هائمة، لا تنتمي إلى شيء سوى الموت.
لقد تطايروا كطيور مذبوحة، بأجنحة مكسورة، لكنها ما زالت ترفرف. حلّقوا بعيداً عن جحيم الأرض نحو سماء ربما تكون أكثر عدلاً، وارتفعوا كغبار ناعم، كنجوم صغيرة تنفجر في الفراغ، لترسم لوحة من نور وحزن في آنٍ معًا. ثم سقطوا، كدمعة ساخنة تنحدر على وجوه دامية، وجوه لا تملك سوى الصمت، لكنها تقول كل شيء.
في ذلك المشهد، صعدت أجسادهم الممزقة إليك يا الله. كانت تناجيك بهمسٍ خافت، كمن يهمس بـ”رباه” من عمق اليقين، وتناجيك بصوت لا يسمعه إلا من عرف معنى الفقد، وسكن في قلبه الخوف والرجاء معًا.

