عيد الأضحى في اليمن: طقوس فرح تتحدى الألم

مقالات
عيد الأضحى في اليمن: طقوس فرح تتحدى الألم

في كل زاوية من زوايا اليمن، من سهولها إلى جبالها ومن مدنها إلى أريافها، يحل عيد الأضحى المبارك كضيف عزيز، يحمل بين تكبيراته وأيامه نفحات من الفرح والسكينة، ويعيد إلى النفوس وهج الأمل وسط غبار الأيام الصعبة. العيد في اليمن ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو طقس جماعي يبعث الحياة من جديد في قلوب أرهقها الانتظار، ويجدد روح الصبر في شعب عرف كيف يصنع الفرح من الرماد.

بهجة العيد تضيء ليالي اليمن

منذ ليلة العيد، تبدأ المظاهر الاحتفالية في مختلف محافظات اليمن. تنشط الأسواق، تُعرض الملابس الجديدة، وتُشترى الألعاب للأطفال الذين ينتظرون العيد بشغف. تتزين المنازل وتُجهز الأمهات سفرة العيد بكل ما يملكن من حب وإبداع، رغم ضيق ذات اليد.

فجر العيد: صلاة وتكافل

تبدأ الطقوس فجرًا، حين يتوجه الرجال والشباب إلى المساجد والساحات والمصلى لأداء صلاة العيد. تتعالى التكبيرات من المآذن، وتتصافح الأرواح بتلك البهجة النادرة التي تذيب الفوارق وتُعيد للقلوب لحمتها. بعد الصلاة، تبدأ طقوس الذبح والتوزيع، حيث يحرص الناس، رغم صعوبة الظروف، على شراء الأضاحي وتوزيع لحومها على الجيران والأقارب والفقراء، في مشهد يجسد أعظم صور التكافل.

لُحمة العائلة وتحدي الصعاب

لا يكتمل العيد إلا بزيارة الأهل؛ فترى العائلات تتنقل بين القرى والمدن، متحدية وعورة الطرق وغلاء المواصلات وحتى انعدام الأمن في بعض المناطق، فقط ليجتمعوا على مائدة واحدة يتبادلون التهاني ويتقاسمون الخبز والضحكات. كثير من اليمنيين يقطعون مئات الكيلومترات ليكونوا في حضن أمهاتهم أو يجلسوا قرب آبائهم تحت ظلال الذكريات.

بسمة الأطفال: أمل رغم الألم

للأطفال حصتهم من الفرح. فآباؤهم -رغم قسوة الحال- يكافحون ليشتروا لهم ثوبًا جديدًا أو لعبة تسعدهم، أو حتى مبلغًا بسيطًا كـ “عيدية”. الأمهات كذلك يعملن بصبر ويجهزن الطعام ويزينّ المنازل، ويصنعن من كل شيء بهجة تستحقها قلوب أطفالهن. النساء في اليمن أبطال خلف الكواليس، لا تكلّ أيديهن في سبيل خلق لحظة سعادة عائلية تُنسي الأطفال طوابير الجوع وصوت الحرب.

الحديدة: نكهة خاصة للعيد

أما في مدينة الحديدة، تلك المدينة الساحلية الحالمة رغم أوجاعها، فيحمل العيد نكهة مختلفة وطعمًا مميزًا ممزوجًا بملح البحر ورائحة السواحل. يثبت أبناؤها في كل عام تمسكهم بتقاليدهم وعاداتهم العريقة. يبدأ الاحتفال من الليلة السابقة، حيث تُضاء الأسواق القديمة وتُعرض الملابس والبهارات والألعاب، وتتناثر البسمات على وجوه الناس رغم تعبهم. في الصباح، تتعالى أصوات التكبير من المساجد ومصلى العيد، ويتجمع الناس لأداء صلاة العيد بقلوب خاشعة وأرواح تواقة للسلام.

بعد الصلاة، تمتد الأيادي بالأضاحي وتتوزع اللحوم على المحتاجين، ويبدأ الناس بزيارة بعضهم البعض. في الحديدة، لا أحد يترك وحيدًا في العيد؛ الجيران يتقاسمون الأطباق من الزربيان والسلتة والفحسة إلى الكعك والحلويات. الأطفال يلعبون في الأزقة، تُقام الفعاليات البسيطة وتُرسم البهجة على وجوههم بوسائل قد تبدو متواضعة لكنها عظيمة الأثر.

صمود وإصرار: العيد تجمع لا تفرق

حتى في ظل الحرب والحصار، لا تزال العائلات تصر على الاجتماع واللقاء، وعلى تحويل العيد إلى مناسبة تجمع لا تفرق. يذهب البعض إلى أهاليهم في الأرياف ويقطعون الطرقات البعيدة فقط ليشعروا بدفء اللقاء. يخلقون من لحظات العيد لحظاتهم الخاصة رغم كل شيء من قلة المال وانعدام الرواتب وارتفاع الأسعار، لأنهم يعلمون أن العيد ليس بالأشياء بل بالأشخاص.

يقاوم اليمنيون الجراح بالفرح، ويغسلون غبار المعاناة بماء الأمل. يعرفون جيدًا أن العيد فرحة، وأن الفرحة يجب أن تُزرع ولو في أرض قاحلة. يسيرون على مبدأ “مهما اشتدت لابد ما تفرج، ومهما اظلمت لابد أن يأتي الصباح”.

أمل في الغد: عيد اليمنيين الحقيقي

هكذا هو اليمن؛ بلد جريح لكن قلبه ينبض بالحياة، شعب منهك لكنه يبتسم، نساؤه يصنعن المعجزات ورجاله يحلمون لأطفالهم بغد أجمل، وأطفاله يركضون نحو الحياة بأقدام صغيرة ولكن بإرادة عظيمة. عيدهم ليس يومين، بل أمنية مستمرة ينتظرون فيها يومًا خاصًا، يوم عيد اليمنيين الحقيقي؛ يوم لا صواريخ فيه ولا دمار، يوم يعودون فيه إلى بيوتهم دون خوف، ويستيقظون فيه على أصوات ضحكات أطفالهم لا على سيارات الإسعاف.
ذلك اليوم قادم، ومهما تأخر، سيظل اليمنيون يخلقون أعيادهم وأفراحهم الصغيرة على أمل فرحتهم الكبرى.

مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: نعمة الخطابي