تعز تواجه عطشًا ممنهجًا!

تقارير
تعز تواجه عطشًا ممنهجًا!

تقرير خاص- حدث نيوز: بينما تتخبط تعز في دوامة الأزمة الإنسانية المتفاقمة، تبرز أزمة المياه كجرح غائر في جسد المدينة، كاشفة عن صراع خفي يدور في الكواليس بين السلطة المحلية وجهات أخرى، ومستنقع فساد عميق يغرق المدينة وسكانها في العطش. فبينما يؤكد مطلعون على وجود موارد مائية كافية لسد حاجة المدينة، يشير مراقبون بأصابع الاتهام إلى عرقلة متعمدة لضخ المياه وتحويلها إلى سلعة رابحة تُباع بأسعار خيالية عبر “الوايتات”، لتدر أرباحًا طائلة على المتنفذين.

آبار وخزانات معطلة في مدينة عطشى

صورة حقيقية توضح حجم الأزمة
صورة تعبر عن حجم الأزمة

وفقًا لأحمد الجرنوع، خبير مطلع على الوضع المائي، تمتلك مؤسسة المياه والسلطة المحلية في تعز القدرة على تغذية خزانات التوزيع وضخ المياه إلى المنازل، بشرط الوقف الفوري لبيع المياه للوايتات. ويحدد الجرنوع مصادر مياه رئيسية يمكن الاستفادة منها:

 خزان جبل جره

يتغذى من آبار الجشاش، البعرارة، الحجري، الضبوعة، شعب سليط، والتعاون. يغذي مناطق حيوية مثل عصيفرة، وادي القاضي، محطة الوادعي، شعب سليط، حارة القرية، جولة سنان، وجامع السعيد.

 مشروع صينة

يعتمد على ثلاثة آبار في المنطقة نفسها، ويزود بالمياه مناطق النسيرية، المدينة القديمة، القرشي، صينة، النجيشة، باب موسى، المظفر، وادي المدام، والأجينات.

  خزانات المؤسسة

تتغذى من آبار متعددة مثل بئر سائلة القمط، وتضخ إلى مناطق الثورة، زيد الموشكي، الروضة، المدينة، صالة، الحوض، وغيرها.

الأكثر إثارة للقلق، بحسب الجرنوع، هو وجود آبار وخزانات تابعة للمؤسسة في منطقة الضباب معطلة منذ سنوات. ويؤكد أنه لو تم ربط هذه الخزانات ببئر الجامعة وضخ المياه إلى خزانات المناخ، التي تعد الأهم للتجميع، لأمكن توزيع المياه إلى أي منطقة داخل المدينة. كما أن آبار شرق وغرب منطقة عمد يمكنها أيضًا تغذية خزانات المناخ.

يختتم الجرنوع حديثه بتأكيد لا لبس فيه: “إذا كانت هناك نية جادة وتحرك صادق بمنع بيع الماء للوايتات التي لم يستفد منهم المواطنون، وضخ الماء عبر الشبكة إلى المنازل لكسر الأزمة الخانقة التي يعاني منها كل أبناء المدينة، فالآبار موجودة والماء موجود وخزانات التجميع موجودة وتوزع منها الماء إلى كل المناطق داخل المدينة، ما فيش أي عذر.”

اتهامات بالفساد وتقصير السلطات

تتفق آراء العديد من الناشطين مع رؤية الجرنوع، حيث يرى عرفات الصبري أن “مسؤولي تعز يبيعون الماء للشعب الذي أخرجهم وصفق لهم”، واصفًا ذلك بـ”الهمجية والاستخفاف”. وينتقد الصبري غياب أي استقالات لمسؤولين في مؤسسات الدولة بتعز نتيجة “الفشل وليس الفشل فقط، بل سرقة عيني عينك”.

من جانبه، يلخص عادل السبئي المأساة بعبارات موجعة: “تعز التي أنهكتها الحرب باتت اليوم مدينة بلا ماء، ومن لا يملك الماء لا يمتلك الحياة ولا يمتلك القوة”. ويضيف أن تعز تعاني من غياب الآبار وشبكات المياه والحلول، وسط صراع سياسي “لا يعبأ بالظمأ ولا بالأنين”، بينما تتجمع النساء والأطفال لجلب الماء من وايتات فاعلي الخير.

60 مشروع مياه بـ6 ملايين دولار: أين ذهبت الأموال؟

في سياق متصل، كشف وجدي السالمي عن معلومات صادمة حول مشاريع المياه في تعز. فخلال الفترة من يناير 2024 حتى مايو 2025، تم تنفيذ حوالي 60 مشروعًا للمياه في تعز (المدينة والريف) بتكلفة إجمالية تقدر بـ5 ملايين و878 ألفًا و968 دولارًا (ما يعادل 11 مليارًا و757 مليونًا و936 ألف ريال يمني)، وفقًا لما نشره مكتب التخطيط والتعاون الدولي.

يشير السالمي إلى أن هذه القائمة لا تمثل جميع المشاريع المنفذة، وأن هناك مشاريع أخرى لم يتم نشر بياناتها. ويعتزم مركز الإعلام الحر للصحافة الاستقصائية تتبع هذه المشاريع ميدانيًا لتقييم أثرها وضمان المساءلة العامة.

القائمة تشمل مشاريع متنوعة، منها:

* مشروع الخط الناقل للمياه من بئر شارع جمال إلى خط بئر الجمهوري: بتكلفة 106,000 دولار، يستفيد منه 30,000 نسمة.

* شبكة مياه القمط: بتكلفة 35,000 دولار، يستفيد منها 5,000 نسمة.

* كلورة آبار المياه: بتكلفة 41,800 دولار، يستفيد منها 350,000 نسمة.

* منظومة طاقة شمسية لبئر الضبوعة: بتكلفة 50,000 دولار، يستفيد منها 15,000 نسمة.

* حفر بئر إسعافي لمنطقة مستشفى الثورة: بتكلفة 70,000 دولار، يستفيد منها 15,000 نسمة.

* منظومة طاقة شمسية لمحطة وبئر ثعبات ومحطة المؤسسة وبئر شارع جمال: بتكلفة 506,000 دولار، يستفيد منها 350,000 نسمة.

* مشروع مياه الشيخ زايد بن سلطان المرحلة الأولى (حفر 4 آبار): بتكلفة 320,000 دولار، يستفيد منه 450,000 نسمة في صبر الموادم.

* مشروع إنشاء خطوط النقل الرئيسية للمياه من آبار الضبوعة والمنتزه وشعب سليط إلى خزانات جبل جرة، وشبكة داخلية منطقة الحجري: بتكلفة 468,000 دولار، يستفيد منه 60,000 نسمة.

* مشروع إنشاء الخط الناقل للمياه من آبار الضباب بحذران إلى تقاطع شارع المقلب: بتكلفة 256,000 دولار، يستفيد منه 450,000 نسمة.

إن حجم الإنفاق على هذه المشاريع، في ظل استمرار أزمة المياه، يطرح تساؤلات جدية حول فعالية هذه المشاريع والشفافية في تنفيذها.

عرقلة متعمدة: أبعاد سياسية لأزمة المياه

يكشف تاج العزي عن بُعد سياسي خفي لأزمة المياه، مشيرًا إلى “عرقلة مشروع مياه تعز الذي موله العميد طارق”، وأن الموضوع ليس مجرد استنزاف مياه جوفية. فوفقًا للعزي، تم الاتفاق بين محافظ تعز وسلطات صنعاء على ضخ المياه لمدينة تعز من الحوبان وإصلاح الشبكة، بوساطة محلية من منظمة شباب سبأ التي تديرها علا الأغبري، وبمبادرة من رضية المتوكل، المسؤولة عن قطاع المنظمات في مناطق سيطرة مليشيا الحوثيين.

ويعرب العزي عن تخوفه من أن تصبح السيادة المائية لتعز تحت رحمة الحوثي، مستذكرًا أن الميليشيات كانت “تتبول داخل صهاريج المياه التي تدخل تعز من معبر الدحي”. ويؤكد أن مشروع مياه طالوق الذي وجه به العميد طارق، والذي كان سيوفر “الحرية المائية لمدينة تعز”، يواجه عرقلة من “لوبي تديره رضية المتوكل ومسؤولين متعاونين معها من داخل تعز”. ويصف العزي أي عرقلة لهذا المشروع بأنها “حصار مائي لمدينة تعز وفرض سيطرة العدو على هذه الخدمة”.

وتؤكد متابعات الدكتور نجيب محمد الشرعبي، من المكتب الإعلامي لمحافظ تعز، أن المحافظ نبيل شمسان ناقش بالفعل الإعداد لانعقاد ورشة مجموعة المياه بشأن الوساطة المحلية لإعادة ضخ المياه من الحوبان إلى المدينة. وقد أشاد المحافظ بالجهود المبذولة لمعالجة شحة المياه، وأكد على أهمية تشغيل الحقول وضخ المياه من الحوبان، معتبرًا ذلك “أثرًا كبيرًا في وصول المياه للمواطنين”.

تعز في مفترق طرق

تظل أزمة المياه في تعز قضية معقدة تتشابك فيها الأبعاد الإنسانية، الاقتصادية، والسياسية. فبينما تتوافر الموارد المائية الكافية، وتُصرف مبالغ ضخمة على مشاريع المياه، يظل المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة. يبقى السؤال الأبرز: هل ستنجح الضغوط الشعبية والإعلامية في كسر حاجز الفساد والعرقلة، أم ستظل تعز رهينة لحسابات ضيقة على حساب حياة سكانها؟

تقرير خاص لـ حدث نيوز بقلم: لؤي العزعزي