اليمن بين مطرقة الحرب وسندان التحرش: صرخات مُغيبة في الظلام

أخبار اليمن
اليمن بين مطرقة الحرب وسندان التحرش: صرخات مُغيبة في الظلام

لم تكتفِ ويلات الحرب التي عصفت باليمن بتحويل أرضه إلى مقبرة للأحلام وسلب الكبار والصغار أبسط مقومات الكرامة الإنسانية. فبينما يئن الوطن تحت وطأة المجاعة والقصف والخراب، تطل برأسها آفة أخرى تنخر جسد المجتمع بصمتٍ مُطبق: التحرش الجنسي بالأطفال والفتيات القاصرات. صرخات هؤلاء الضحايا لا تجد لها صدىً في أروقة المحاكم ولا مكانًا في عناوين الأخبار، لكنها حاضرة، جارحة، وقاتلة.

في هذا البلد المثقل بالجراح، حيث يهرب الصغار قبل الكبار من شبح الموت جوعًا وقصفًا، تجد الفتيات أنفسهن أمام فخٍ أشد ضراوة: شبح التحرش والانتهاك. لم تعد حالات الاعتداء على القاصرات في السنوات الأخيرة مجرد حوادث فردية معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة خطيرة تستهدف فتيات في عمر الزهور. قصص الاختطاف والاغتصاب والتهديد والتواطؤ من بعض ضعاف النفوس في المجتمع ورجال القانون باتت تتكرر بأسى. اسم “جنات” لم يعد غريبًا على الرأي العام، بل أصبح رمزًا لآلاف الفتيات اللواتي لم ينلن العدالة بعد، بينما تظل أسماء أخريات طي الكتمان، إما خوفًا على “السمعة” أو اتقاءً للعار أو صمتًا مفروضًا بقوة ضغط المجتمع.

المتحرش ليس غريبًا أو مجهولًا؛ إنه يعيش بيننا، نتبادل معه التحية، نصادفه يوميًا، وربما يكون جارًا أو قريبًا أو زميل عمل نمر بجانبه دون أدنى شك. لكنه يحمل في داخله ظلمة ويخفي خلف ابتسامته وجهًا آخر يقدم على انتهاك البراءة وتدمير مستقبل فتيات. هنا يكمن الخطر الأكبر: في أن لا نعرفه، أو أن نعرفه ونسكت عنه.

لم يعد التحرش خفيًا، بل أصبح علنيًا في الشوارع والحارات والمدارس وحتى البيوت، بل ويُوثق أحيانًا أمام الكاميرات دون خوف أو خجل. والأسوأ من ذلك أن الكثير من المتحرشين لا يلقون العقاب الرادع بسبب ضعف القانون أو تغلغل الواسطات والمحسوبية. فبدلًا من الزجّ بهم خلف القضبان، يكتفي القضاء غالبًا بـ “الصلح القبلي” أو بدفع مبلغ مالي، وكأن شرف الفتاة سلعة تُشترى وتُباع.

من هذا المنبر، نوجه نداءً عاجلًا إلى القضاء اليمني: أعيدوا النظر في قوانينكم، شددوا العقوبة، انظروا إلى كل طفلة تقف في قاعة المحكمة وكأنها ابنتكم، احكموا بما يرضي الله لا بما يرضي الوساطة أو الجاه. فما قيمة القانون إذا لم ينصف الضعيف؟ وما قيمة الدولة إذا عجزت عن حماية أطفالها؟

نحن اليوم بحاجة إلى أن نقف صفًا واحدًا، لا أن نصمت. يجب أن نسلط الضوء على معاناة الطفلات اليمنيات، لا أن نخفيها خلف جدران العيب والعار. لا يجب أن تكون قصص جنات وبيان استثناءات، بل بداية لصوت جماعي مدوٍ يقول: لا للمتحرش، لا لسكوت القضاء، لا لتبرير الجريمة.

هذا نداء لكل امرأة، لكل رجل، لكل قاضٍ، ولكل ناشط وناشطة: فلنحمِ طفلات اليمن قبل أن يتحول الصمت إلى شراكة. نحن لا نخاف ولسنا عاجزين، لكننا بحاجة إلى أن نؤمن بأن الفتاة اليمنية يجب أن تمضي قدمًا، لا أن تبقى ضحية، ولا أن تصبح ذكرى في ملف مغلق على رفّ المحكمة.

بقلم: نعمة الخطابي – خاص لـ حدث نيوز