الطبقية كسلاح: كيف تُعيد الميليشيات إنتاج الانقسامات القديمة في اليمن؟

مقال خاص- حدث نيوز:طالما كانت الطبقية جزءًا من النسيج الاجتماعي اليمني، لكنها اليوم لم تعد مجرد إرثٍ قديم، بل تحوّلت إلى أداة سياسية خطيرة تستخدمها الميليشيات المسلحة لترسيخ سلطتها ونفوذها. لا يقتصر الأمر على القمع الأمني، بل يتعداه إلى إحياء انقسامات اجتماعية قديمة خمدت لعقود، لتخدم أجنداتٍ أيديولوجية تسعى لإعادة نظام الإمامة بكل ما يحمله من تفوقٍ سلالي وهيمنةٍ طبقية.
إحياء التمايز الطبقي: من الإرث إلى الأيديولوجيا
تظهر اليوم مسميات تعيدنا إلى عصور التمييز الطبقي، مثل “القبائل”، “السادة”، و”البيّاع”، لكنها هذه المرة في ثوبٍ جديد، يخدم مشروعًا يسعى لإحياء نظام الإمامة وما صاحبه من تفوقٍ سلالي وهيمنة طبقية. لقد أعادت هذه القوى الفاعلة استنساخ البنى الاجتماعية التي كانت سائدة في عهد الإمامة، حيث كانت الفروقات الطبقية جزءًا لا يتجزأ من معمار السلطة، وكان التمييز بين الناس عقيدة غير معلنة لكنها مُطبقة. عندما تتغذى النفوس على الشعور بالتفوق، لا يعود التعايش هدفًا، بل تتحول الحياة إلى سباقٍ محموم في تكريس الامتيازات، وسعيًا نحو احتكار الباع دون الاهتمام بالعدالة والمساواة.
الدين والواقع: مفارقة المعيار الرباني
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. لكن للأسف، هذه القاعدة الربانية لا تجد لها مكانًا في واقعٍ أصبح فيه الانتماء الجغرافي أو السلالي معيارًا غير مُعلن للامتياز، حتى بين بعض من يرفعون راية الدين. فإذا كان التمييز يُمارس داخل دوائر يُفترض أنها تمثل الوعي والعدل، فكيف لنا أن نلوم العامة في الشارع إذا ما تبنّوا هذه السلوكيات؟
مأرب: من التضامن إلى التمييز الجغرافي
من الظواهر التي تستدعي التوقف عندها هو التمييز المبالغ فيه تجاه أبناء محافظة مأرب. على الرغم من أن مأرب جزء أصيل من اليمن، ومن واجبها وحقها أن تكون مكانًا آمنًا للجميع، إلا أن ما يثير التساؤل اليوم هو تحول هذا الحضور إلى امتياز خاص: زيادة في المقاعد، تسهيلات استثنائية، وأحيانًا خطاب يجعل أبناء المحافظات الأخرى وكأنهم “ضيوف” لا شركاء في الأرض والانتماء.
لسنا هنا بصدد إنكار فضل مأرب في استقبال النازحين، ولا في الهجوم على أهلها – فهم أهلنا – بل نحن بصدد التنبيه إلى خطر تَشكُّل طبقة جديدة على أساس جغرافي. هذا التمييز يذكرنا بأن الطبقية لا تختفي، بل تتلوّن وتتخذ أشكالًا جديدة. مأرب اليوم ليست كما كانت في الأمس، فقد تحوّلت من منطقة نائية إلى مركز حيوي بفضل جهد اليمنيين جميعًا. فلا فضل لأحد على أحد، ولا امتياز إلا بالمواطنة الصادقة والعمل المشترك.
اليمن لليمنيين: رفض لجميع أشكال الطبقية
إن اليمن لكل اليمنيين، ويجب ألا ننتقل من طبقية السلالة إلى طبقية الجغرافيا. فالمواطنة الصادقة والعمل المشترك هما الأساس الوحيد لبناء مجتمع عادل ومنصف، يرفض جميع أشكال التمييز ويحتفي بوحدة أبنائه.
ما هي الخطوات العملية التي يمكن أن تتخذها المؤسسات المدنية والاجتماعية لمواجهة ظاهرة إعادة إنتاج الطبقية والتصدي لها في المجتمع اليمني؟
مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: سلسبيل أحمد

