الإدمان: قيدٌ نصنعه ونحرره بأيدينا

ليس الإدمان مجرد انغماس في سلوك مرضي، أو تعلق بمادة تُخرج صاحبها عن طوره، بل هو حالة وجودية عميقة تفضي بالإنسان إلى فقدان ذاته، والتخلي الطوعي عن مفاتيح الحرية التي ولد بها. إنه قيد صامت، لا يُطرق بابه من الخارج، بل نغلقه نحن من الداخل، برغبتنا أحيانًا، وبعجزنا كثيرًا، وبتواطئنا مع هشاشتنا دائمًا.
الإدمان: ثقب في الروح يتسع ليصبح هاوية
الإدمان ليس وليد لحظة عابرة أو قرار فجائي، بل هو ثقب صغير في جدار الروح، يتسع مع الوقت ليصبح هاوية لا قرار لها. كثيرون يتحدثون عن الإدمان بوصفه اختلالًا كيميائيًا في الدماغ، أو سلوكًا انحرافيًا ناتجًا عن فراغ أو ضعف ديني. لكن هذا التبسيط يهمل وجع الحكاية، ويتغافل عن البعد الإنساني المعقد الذي يكمن خلف كل إبرة، وكل سيجارة، وكل كأس تُرفع على استحياء في غرف معتمة.
نعم، نحن من نحكم الغلق على هذا القيد. الإدمان لا يُفرض على أحد، بل يبدأ غالبًا كخيار، خيار يُبرر بالتجربة، أو الهروب، أو الفضول، أو الخذلان، أو حتى الحب. كم من عاشق مكسور انحدر إلى الإدمان بحثًا عن النسيان؟ وكم من روح أنهكتها الصدمات، فاختارت طريق التلاشي البطيء تحت ستار من النشوة الزائفة؟
أشكال الإدمان المتعددة: ليست مجرد مواد مخدرة
المخدرات ليست فقط تلك المواد البيضاء أو البنية، بل قد يكون الإدمان هاتفًا لا يفارق اليد، أو علاقة سامة لا يُراد لها أن تنتهي، أو شعورًا بالانهزام يقتات على ما تبقى من الكبرياء. تتعدد الأشكال، لكن الآلية واحدة: استبدال الواقع بمخدر يمنحنا وهم السيطرة، ثم يأخذ منا كل شيء.
ولعل الفاجعة الكبرى لا تكمن في من يدمن، بل في البيئة التي تغذي هذا الإدمان. مجتمعات تنكر الألم، وتزدري الضعف، وتلصق تهمة الانهيار النفسي بصاحبها، بدل أن تفتح له أبواب النجاة. تُعامل المدمن كمجرم لا كمريض، وكعالة لا كضحية. وكثيرًا ما ننسى، أو نتناسى، أن الإدمان في جوهره صرخة ألم مقنعة، وبحث عن خلاص بأي ثمن.
قصص من واقع مؤلم: صرخة بحثًا عن اللاشيء
في أحد أحياء المدينة القديمة، صادفت شابًا في بداية العشرينات، عيناه غائرتان، ووجهه شاحب كأنه ظل الموت. جلست بقربه، سألته عن حكايته، فقال لي بصوت متهدج: “أنا لم أختر هذا الطريق، لكن الحياة دفعتني إليه. كنت أحمل أحلامًا كثيرة، لكن والدي كان يضربني، وأمي ماتت باكرًا، والمدرسة طردتني، وأصدقائي خانوني… فلم أجد سوى هذا السم لأختبئ فيه.” صمت قليلًا، ثم همس: “أنا لا أبحث عن المتعة، بل عن اللاشيء… أريد أن أنام طويلًا دون أن أفكر.”
تلك الجملة الأخيرة كانت أشد من كل الإبر التي غرزها في جسده النحيل. كان يبحث عن اللاشيء، عن الفراغ، عن الصمت… أي حياة هذه التي تدفع الإنسان إلى تمني التلاشي الكامل؟
هنا، لا بد أن نتوقف. هل نحن – كمجتمع، كأسرة، كأصدقاء – نسهم في صناعة المدمن دون أن ندري؟ ألسنا نحن من يهمل الإصغاء، من يكسر ولا يجبر، من يحاسب دون أن يفهم، من يجرم الدموع، ويطالب بالشجاعة الزائفة؟!
مسؤولية المجتمع: مقاربة شاملة للوقاية والعلاج
إن الإدمان ظاهرة اجتماعية بامتياز، لا يمكن تفكيكها إلا بفهم شامل. على الدولة أن تعيد النظر في آليات الوقاية والعلاج، لا أن تكتفي بالحبس أو الوعظ. وعلى الإعلام أن يسلط الضوء على القصص الحقيقية خلف الأرقام، لا أن يحولها إلى مجرد عناوين مثيرة.
ولعل من أكثر التشبيهات دقة لوصف الإدمان، أن نتخيله كـماء مالح في صحراء عطشى؛ كلما شربت منه، ازددت ظمأً. يبدأ الإنسان مدفوعًا بالحاجة، ثم يصبح رهينة، ثم يفقد نفسه شيئًا فشيئًا، حتى يصبح كائنًا بلا ملامح، بلا ماض ولا مستقبل.
التعافي: طريق ممكن نحو النجاة
ولكن، وهنا بيت القصيد، يمكن للقيود أن تُكسر. تمامًا كما أغلق القيد بإرادتنا – ولو بشكل غير مباشر – يمكن فتحه أيضًا بالإرادة. التعافي ليس دربًا مستحيلًا، بل هو طريق شاق، محفوف بالشكوك، مثقل بالحنين، لكنه ممكن. والشخص المتعافي لا يعود كما كان، بل يعود أقوى، أصدق، وأكثر امتلاءً بالحياة.
إن أولى خطوات النجاة هي الاعتراف. الاعتراف بأننا أدمنّا، وأننا أضعنا الطريق، وأننا في حاجة إلى يد تمسك بنا، لا لتعنفنا، بل لترشدنا. وثاني خطوة، هي أن نصدق أننا نستحق فرصة أخرى، وأن خلف هذا الليل الثقيل، فجرًا ينتظر.
ليست البطولة في ألا نسقط، بل في أن ننهض كل مرة من تحت الركام. وليس العار في الإدمان، بل في الاستسلام له. فكم من مدمن بالأمس أصبح مرشدًا اليوم، وكم من تائه وجد نفسه بعد أن ضيعها في العتمة.
في النهاية، الإدمان قيد، نعم. لكنه قيد بأيدينا نحن من نغلقه… ونحن – أيضًا – من يستطيع فتحه.
مقال خاص لـ حدث نيوز بقلم: غدير العقيلـي

